روي أبو زيد

ميلاد حدشيتي: كونوا إيجابيين ومرنين لتخطّي الصعاب

6 دقائق للقراءة
متخصص في علم النفس الإيجابي لكنه لا يتحدث عن الإيجابية الفضفاضة غير المبنية على دراسات واقعية بل يتناولها بناء على أبحاث وتجارب إنسانية واجتماعية. يطلّ الإعلامي ميلاد حدشيتي أخيراً عبر برنامج "صباح اليوم" على قناة الجديد حيث يبثّ الأمل في كلّ بيت لبناني يشهد ظروفاً قاسية يعيشها لبنان. ما الذي يقوله حدشيتي لـ"نداء الوطن" عن العيش بإيجابية؟ وهل يمكننا ذلك في ظلّ التخبطات التي تجتاحنا؟

ما الذي علّمتك إياه تجربة كورونا؟

حثّتني هذه المرحلة على البحث في أولويات حياتي، إذ حددت الأمور المهمة والأكثر أهمية في حياتي. اكتشفت أنّ العنصرين الأساسيين في حياتي هما العائلة والصحة. وخلال الغوص في مرحلة العزلة، نكتشف من هم الأشخاص المهمين في حياتنا ومع من سنتابع رحلة دربنا، "فنغربل" كلّ من هم من حولنا ونأخذ قرارات حياتية تقرر مصيرنا.



هل ستختلف مرحلة ما قبل كورونا عن مرحلة ما بعد الفيروس؟


حين يتعرّض الناس لظروف صعبة كهذه، يعيشون مرحلة نضج نفسي. البعض منهم يتعلّم من المشاكل والضائقات وينمو، عبر اكتشافه معنى آخر لحياته. والبعض الآخر لن يصل الى درجة معينة من هذا الوعي لذا نمط عيشه لن يتغيّر بعد عودة الحياة مجدداً. كما برزت مفاهيم اجتماعية تتعلّق بالخوف من الآخر، الابتعاد عنه، عدم التواصل، وتهديم الجسور التي بنيت في ما مضى.

لفتت كورونا النظر الى إعادة النظر بالنظام الصحي العالمي، اللاعدالة الإنسانية وطرحت أسئلة عــدة وجودية وأساسية.



كيف يمكننا أن نبقى إيجابيين في ظلّ هذا التردي الذي نعيشه على الصعد كافة؟


نقطة رئيسة يجب التشديد عليها أنّ جائحة كورونا ترافقت مع أزمات عدة في لبنان: انفجار بيروت الذي هزّ العالم، فضلاً عن المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لذا يجب ألا نلقي اللوم على كورونا فحسب، رغم أنّ البلاد التي كانت محصّنة بنظام إقتصادي وصحي ممتاز جنّبت شعوبها القلق والخوف وأمّنت لهم الحماية. علماً أنّ ملايين الناس فقدوا عملهم واستقرارهم المادي.

يجب الانتباه الى أنّ البقاء إيجابيين لا يعني تجاهل المشكلة وعدم وضعها في إطارها الصحيح، بل على العكس علينا أن نكون مرنين في هذه الفترة وليس إيجابيين.


ما الذي تعنيه بالمرونة النفسية؟

أي تمكّن الإنسان من اجتياز الصعاب والوقوف مجدداً ما بعد العاصفة. نحن نعيش في دوامة وعلينا أن نكون مرنين ومتكيّفين مع الظروف المحيطة بنا.

الإيجابية لا تعني عدم التفكير بالمشكلة، بل تكمن في التفكير البناء الذي يساعدني وسط المشكلة أن أجتازها وأحلّها.

لذا المطلوب أن نتحلّى بقدر كافٍ من الوعي فضلاً عن إدراكنا جيداً للمشاكل التي تحاوطنا، لكن علينا الابتعاد عن تضخيم حالات القلق والخوف التي تنتابنا.

هذه العوامل تمنعني من التفكير البنّاء والسليم من أجل اجتياز مشكلتي.


من هو الشخص الإيجابي إذاً؟

الإيجابي اليوم هو من يعترف بمشكلته لكنه يضع استراتيجيات تعامل من أجل اجتيازها. لذا عليه أولاً تحديد مشكلته، معرفة الوسائل التي يستطيع اعتمادها للحؤول دون تفاقمها. مثلاً لا يمكنك أن تغيّر كفرد في وطنك، بل كمجموعة يمكنك أن تشكّل حالة ضغط وتبدأ مرحلة التغيير الأولى.

حلّ المشاكل الرئيسة يتطلّب وقتاً، قد تأخذ بعض الأمور سنوات عدة كتغيير النظام السائد في البلاد مثلاً، إرجاع بيروت كما كانت من قبل، استعادة ثقتنا بأنفسنا وبوطننا وحياتنا.

علينا ايجاد حلول ذكية وبنّاءة وفعّالة، في ظلّ معرفة دراية أوضاعنا كافة والتعامل معها بحكمة وفطنة وطول أناة.





لكنّ بعض المشاكل تتخطانا: بعض الناس فقدت أحبتها، أملاكها، منازلها ووظائفها. كيف عليهم التكيّف مع حاضرهم؟


لا أدعو هؤلاء الى أن يكونوا إيجابيين أبداً، ولكن بدل التفكير في مصائبهم طوال الوقت عليهم التوقف لدقيقة والقول: نحن في مشكلة، خسرنا منزلنا، وظيفتنا... ولكن ما هي الأفكار والطروحات والواجبات والخطوات التي يجب اعتمادها كي أتمكّن من تخطّي المصيبة: هذا ما يسمّى بالمرونة.

يجب الابتعاد عن الضغط النفسي، الغضب، والسماح للدماغ كي يفكّر بحلول ممكنة قد تنقذنا من واقعنا رويداً رويداً. ولا يجب على الغارقين في المشاكل الشعور بالذنب، لأن مشكلتهم أكبر منهم وظروفها كذلك: فمن فقد منزله أو أحبته أو أمواله، أو حتى وظيفته خسرها رغماً عنه وليس بسببه. هناك عامل رئيس تحكّم بمصيره.

وكيفية تخطّي المصيبة مقترن بطريقة التفكير: فإن فكّرنا بطريقة سلبية نجد سلبية والعكس صحيح. لذا علينا تمرين أفكارنا على إيجاد حلول مؤاتية عبر فتح آفاقنا كعناصر خلوقين لتمرير المرحلة بأقل ضرر ممكن.

الإيجابية لن تحلّ مشاكلنا ولكن التشاؤم لن يقوم بذلك ايضاً.


أخبرنا عن تجربتك في برنامج "صباح اليوم" على قناة "الجديد".


التحدي أن أدعو الناس دوماً في البرنامج الصباحي الى التسلّح بالرجاء والأمل حتى في أحلك الأوقات التي يمرّون بها، فضلاً عن كيفية مقاربة أوجاعهم والسعي لإيجاد الحلول المناسبة لهم.

أطلُّ كل ثلاثاء على الناس وأستعين بضيوف خبراء في ميادينهـــم يحثّون الناس عـــلى التفكير بطريقة صحيحـة ومناسبة. والحمدلله أتلقّى ردود فعل إيجابية من المشاهدين.

من السهل التشاؤم حين نكون "في الجورة" لذا أحاول أن أمسك بحبل كي أدفع الناس الى تسلّق السلم المناسب وتخطّي هذه "الجورة".


هل تتعاطف مع الناس؟


أنا واحد من الناس، أشعر بوجعهم وأتعاطف معهم، لكن ليس لحدّ الغرق بالتعاطف. أغلّب النظرة البناءة لرؤية ما يدور من حولي ولا أفرض رأيي على الناس، خصوصاً وأن كلّ شخص يتّبع الخيارات التي يجدها مناسبة في حياته، وقد يغيّرها إن لم تخدمه في مرحلة من المراحل.

الأفكار تولّد انفعالات، والانفعالات تولّد سلوكيات، وإن لم نتكيّف مع سلوكياتنا يجب إعادة النظر بأفكارنا.


لأي مدى تتحمّل مسؤولية كلّ كلمة تصدر عنك اليوم؟


نلحظ أخيراً صراعات اللبنانيين على "السوشيل ميديا"، خصوصاً أنّ البعض يتهم الآخر بالتخوين إن لم يوافقه الرأي سياسياً! هذه مشكلة بحد ذاتها.

تعدد الآراء صحي كي نستفيد من الحوار في ما بيننا، فضلاً عن أنّنا يمكننا إيجاد نقاط مشتركة في ما بيننا لبناء وطن واحد يحضننا جميعاً. أحاول أن أكون واعياً إزاء المفاهيم الرئيسة وأحرّض على الوعي للابتعاد عن التراشق السلبي بالكلام.


من هو مثالك الأعلى في الحياة؟


أفكار وأعمال الناس هــــــي مثالي الأعلى:

أحب فكر جلال الدين الرومي والصوفية، كما أنّ خدمة الأم تريزا تلفتني. تعنيني فكرة ترجمة الحب من خلال عيشنا على الأرض. يقول الرومي: "بعيداً عن المشاكل، هناك مساحة مشتركة هلّموا نلتقي بها"!

علينا الابتعاد عن حصرية الحق والحقيقة، الكون لنا جميعاً لذا علينا إيجاد مساحات مشتركة للتكيّف مع بعضنا البعض.