كان علينا أن نقنع، ولم يكن الأمر سهلاً أو مضموناً منذ البداية.
في بعلبك، انهار جزء من جدار سور القلعة تحت القصف الإسرائيلي. وبعد أيام قليلة، تحوّل المبنى العثماني "المنشيّة"، المطلّ على موقف سيارات القلعة، إلى كومة من الحجارة. هذا المبنى الفريد كان يضم في الماضي ورشاً محليّة لصناعة العباءات المطرزة. هناك، اختارت المغنية الأوبرالية جون أندرسون الثوب الذي ارتدته على مسرح المهرجانات، وهناك أيضاً كان رواد المهرجان يجتمعون للاستمتاع بكأس أخير في الحديقة المطلّة على المعابد الرومانية المضاءة.
الغارات نفسها ألحقت أضراراً جسيمة بالفندق الأسطوري "بالميرا". الصور المتداولة أظهرت شظايا زجاج متناثرة وأقواساً منتشرة على الارض. لحسن الحظ، لم تسجّل إصابات بشرية في الفندق تلك الليلة، حيث كان مغلقاً أمام الزوار منذ اندلاع الحرب الجديدة. غير أنّ صورة الطاولة التي كانت تجلس إليها السيدة فيروز لتناول إفطارها اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي… تُرى، هل جلست فيروز حقاً إلى تلك الطاولة المطلّة على القلعة؟ ربّما. ربّما حدث ذلك في 12 تموز 2006، حين رفضت مغادرة الفندق الذي كانت تقيم فيه، بانتظار العرض الأول لمسرحية "صح النوم"، في بداية الغارات الاسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
في الأسابيع الأخيرة، كنا نحصي أعداد القتلى والجرحى، ونشهد الدمار، وسط إحساس ساحق بالعجز أمام هذه الهمجية.
عندما اقتربت الغارات من القلعة، قرّرت إدارة "مهرجانات بعلبك الدولية" التحرّك. بدافع الحفاظ على تاريخ هذه المعابد، وجدنا في أنفسنا الطاقة اللازمة للمواجهة. أعددنا رسالة مفتوحة موجّهة إلى "اليونسكو" باسم المهرجانات، نذكّر فيها بأهمية حماية التراث العالمي لبعلبك، هذا الإرث الثمين الذي يجب أن نحافظ عليه للأجيال القادمة.
كنّا أول جهة من المجتمع المدني تبادر بالتحرك، وسرعان ما أطلق ذلك تأثيراً متسلسلاً، حيث انضمت المؤسسة الوطنية للتراث، ونقابة المحامين، ثم مئة نائب إلى الحملة.
حظيتُ بفرصة لقاء سفير لبنان لدى "اليونسكو" في باريس، الدكتور مصطفى أديب، برفقة الدكتور جاد تابت. شاركني تفاصيل معركتهما الشاقة، التي تضمّنت الحصول على اجتماع استثنائي للجنة حماية المواقع الأثرية خلال النزاعات المسلحة. في الوقت نفسه، كانت وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار، بقيادة الدكتور سركيس الخوري، تعملان على إعداد الوثائق المطلوبة لحماية 34 موقعاً أثرياًّ في لبنان. إقناع الوفود وإدارة "اليونسكو" بأهمية القضية كان بمثابة "ماراثون" شاق، لكن السفير أديب كان على استعداد تام للقيام به.
لتعزيز هذه الجهود، قمنا بالاستيلاء على دعم من خبراء دوليين.
بالتعاون مع "Change Lebanon" وأعضاء من جمعية "مهرجانات بعلبك"، ومن "المؤسسة اللبنانية للتراث"، وبدعم من كلود دوميت سرحال ومستشارين آخرين، أطلقنا نداءً وقّعه في غضون أيام، 300 خبير في مجال التراث، من بينهم مدراء متاحف، وباحثون، وأكاديميون، وكتّاب، وفنانون من أوروبا وآسيا والولايات المتحدة. وقد تمّ تسليم هذا النداء إلى "اليونسكو".
كانت لحظة مليئة بالمشاعر والارتياح حين أعلن رئيس اللجنة، بعد ظهر الإثنين في "اليونسكو"، أنّ المواقع اللبنانية الـ 34 ستخضع الآن لحماية معزّزة. قاعة الاجتماع أظهرت دعماً واضحاً لقضيتنا، وجاء التصويت بالإجماع.
تلك اللحظات أحيت فينا شعوراً بالفخر الوطني الذي يذكّرنا بأنه بفضل قيادة كفوءة، وإدارة ملتزمة، ومجتمع مدني داعم، يمكننا التغلب على الأزمات.
لكن معركتنا لم تنتهِ بعد. هذه مجرد خطوة أولى.
في 21 تشرين الثاني، ستُعقد جلسة نقاش أخرى مهمة في "اليونسكو"، حول حماية الصحافيين في أوقات الحرب. فهذا الموضوع هو بغاية الأهمية! على أمل أن تحقق البعثة اللبنانية في "اليونسكو" نجاحاً جديداً في مسيرتها.
معاً، يمكننا حماية لبنان عبر جهود مركّزة، بانتظار حلول تحقيق السلام الدائم.
**رئيسة مهرجانات بعلبك