واشنطن - مع استعداد الرئيس المُنتحب دونالد ترامب لدخول البيت الأبيض في كانون الثاني 2025، بدأ الخبراء التمعّن بأعمال إدارته السابقة سعياً إلى استخلاص استراتيجيات فعّالة لمعالجة التحديات المعقدة في الشرق الأوسط. فقد أكدت فلسفة السياسة الخارجية السابقة لترامب، والتي تجسّدت في "السلام من خلال القوة"، الموقف العسكري الحازم كمقدمة لأي مفاوضات دبلوماسية.
هذه الاستراتيجية لاقت صدى لدى العديد من الناخبين الأميركيين الذين اعتبروا أن التفوّق العسكري أداة لإبراز القوة الأميركية. ومع ذلك، فإن النقاش حول فعالية هذا النهج يستمرّ في أروقة الإدارة الجديدة، خصوصاً في ظلّ التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل. فقد شرح مستشار الأمن القومي السابق روبرت أوبراين أهمية الوجود العسكري القوي في موازاة معالجة التهديدات وحماية المصالح الأميركية، مؤكداً في بحث نشرته مجلّة "فورين أفيرز" أن "اتفاقات أبراهام"، التي سهّلت تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، تمثل إنجازاً بارزاً في إعادة تشكيل التحالفات وتعزيز أساسيات السلام المحتمل في الشرق الأوسط.
وتساءل إدمون غريب، الأكاديمي والباحث البارز في معهد واشنطن للسلام والتنمية، عن مدى صدق ترامب في سعيه إلى إحلال السلام بالنسبة إلى الصراعات المعقدة في المنطقة. وقال لـ "نداء الوطن" إنه رغم التضارب في الآراء، إلّا أن اختيار فريق عمله يُشير إلى دعم إسرائيل بقوة، مضيفاً "بالنسبة إلى إيران، فهو سيُحاول إعادة تفعيل استراتيجيته السابقة القائمة على ممارسة الضغوط القصوى على طهران من خلال زيادة العقوبات لشلّ الاقتصاد الإيراني، وردعها عن تمويل وكلائها الإقليميين".
ويصف الخبراء نهج ترامب السابق بالعملي أو البراغماتي، بحيث يُركّز على بناء الشراكات بدلاً من الالتزام بمسارات السياسة الخارجية التقليدية. فعلى سبيل المثال، تشير علاقة ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتسمية مايك هاكابي في منصب السفير الأميركي لدى إسرائيل، إلى تعزيز ديناميكية "السلام من خلال القوة" كنهج. فالعلاقات القوية التي تربط هاكابي بإسرائيل وفهمه لمشهدها السياسي قد تسمح للسفير الأميركي بالدعوة إلى الحوار والتفاوض وفتح مسارات لحلّ القضايا التي طالما اعتبرت كثيرة التعقيد.
غير أن السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان، حذّر في تعليق له في معهد "بروكينغز" من أن إدارة ترامب الثانية قد تؤثر بشكل كبير على توازن القوى الدقيق بين إيران وإسرائيل، ما قد يؤدّي إلى زيادة التوترات، وينعكس أمنيّاً على الدول العربية عموماً والخليجية خصوصاً. وقد يُثير هذا الاحتمال مخاوف في شأن مستقبل الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وأشار فيلتمان إلى أنه لا يجوز أن تعتمد الدول العربية على القوة العسكرية فقط، داعياً إلى ممارسة الدبلوماسية المنفتحة كضرورة لصياغة مستقبل آمن ومزدهر.
وكانت إدارة بايدن قد سعت إلى تحقيق السلام، لكنها واجهت تحديات. وتختلف سياسات إدارة بايدن الحالية عن استراتيجية "الضغط الأقصى" التي يتبناها ترامب، والتي اعتمدت على عقوبات واسعة النطاق ضدّ إيران. وفي حين يعتقد بعض الخبراء أن استراتيجية ترامب تعكس القوة الأميركية وتشجع التعاون من أجل السلام الدائم، فإن المدافعين عن إعادة فرض نهج "الضغط الأقصى" يشيرون إلى أن إعادة الالتزام بالعقوبات الصارمة وزيادة الوجود العسكري يُمكن أن تردع العدوان الإيراني بشكل فعّال.
ومع ذلك، فقد أعرب ترامب نفسه عن إحجامه عن الانخراط في صراعات عسكرية واسعة النطاق، وهو كلام ردّده نائبه المُنتخب جيه دي فانس، الذي أكد أهمية تجنب الحرب مع إيران، بحسب ما أشار غريب، الذي شدّد على أنه قد يكون لمواقف الإدارة الأميركية الجديدة أثر كبير على استمرار التوترات في الصراعين الإسرائيلي - الفلسطيني وبين إسرائيل و"حزب الله"، إذ إن دعم طهران لمختلف الجماعات المسلّحة في المنطقة يُعقّد احتمالات التوصّل إلى حلول طويلة الأجل، ما يُسلّط الضوء على ضرورة معالجة النفوذ الإيراني كشرط أساسي لأي جهد من أجل السلام.
في هذا الإطار، أشار جيمس كارافانو من مؤسّسة "هيريتاج" في تعليقات صحافية إلى أنه من المرجّح أن يتجنب ترامب تقييد ردّ إسرائيل على تهديدات إيران أو "حزب الله" أو "حماس"، مؤكداً ضرورة استمرار مواجهة الأنشطة الإيرانية كحجر زاوية في السياسة الأميركية. من هنا، فإن الدروس المستفادة من إدارة ترامب الأولى ستكون أساسية في معالجة التحدّيات المتعدّدة التي تفرضها إيران وإسرائيل ومختلف اللاعبين الإقليميين.