لوسي بارسخيان

الانضباط مفروض والدموع ممنوعة

العودة بقاعاً تحت غطاء مسيّرات إسرائيل

4 دقائق للقراءة

على الرغم من ارتفاع شارات النصر أمام وسائل الإعلام احتفاءً بنهاية 62 يوماً من هجرة قسرية للمنازل والقرى، سيطرت العفوية على انفعالات العائدين إلى بيوتهم بقاعاً، فلم تنجح محاولات عسكرتها بإخفاء الدموع المرافقة للعودة، وقد تنوّعت أسبابها، لكن الغصّة بقيت واحدة.



لم تكن ليلة كسائر الليالي بالنسبة للنازحين إلى قرى زحلة وقضائها وخصوصاً في مراكزها المخصّصة للإيواء. ولم يكن ذلك بسبب برودة الطقس التي حاولوا التغلّب عليها بكميات من المازوت أحضروها على نفقتهم تعويضاً عن بيروقراطية الدولة المتأخرة، أو ربما المتخاذلة، بمواكبة فصل الشتاء قبل حلوله، أو أقله قبل إعلان الهدنة. فما إن التقى عقربا الساعة على الموعد المحدّد للدخول في هدنة الستين يوماً، حتى حزم الكثيرون أمتعتهم، حملوا أمتعتهم ومضوا بها إلى قراهم. بينما اختار آخرون احتساء آخر فنجان قهوة مع رفاقهم الجدد بمعاناة النزوح، تبادلوا العناوين وأرقام الهواتف، ومضى كل منهم في مواجهة "حقيقة" تجرّعوا مرارتها عندما تأكدوا أنهم فعلاً أصبحوا بلا بيت أو مأوى.


إلى سحمر توجّهت "نداء الوطن" معهم في أول محطة. البلدة التي تلقّت أول ضربة إثر توسّع إسرائيل بعدوانها إلى البقاع، وتوّجته باغتيال رئيس بلديتها. أكثر من مئتي وحدة سكنية من بين 1500 سوّيت بالأرض في البلدة وفقاً لما قاله مصدر إعلامي مسؤول في بلديتها. أما الأضرار الناجمة عن الغارات التي شنّت على هذه الوحدات، فقد أصابت أكثر من خمسين في المئة من وحداتها السكنية والتجارية الأخرى. بحيث شبّه أحدهم البلدة بضاحية البقاع.



غير أن مشهد الدمار الكبير في البلدة وازته محاولة التكتم على المشاعر الإنسانية على فقدان أكثر من خمسين شخصاً من أبنائها. حتى النساء حرمنَ من إطلاق العنان لدموعهنّ. وما كاد بعضهن يبدأ في إفراغ مكنونات القلب على خسارة ابن، أو أخ، أو حتى بيت، حتى قوطع بصوت نمطي يقول "فدا السيد.. فدا المقاومة". حتى عندما سألناهم عن البدائل المتاحة لهم في حال لم تكن العودة إلى البيوت متاحة حالياً قوطعت إجابات المتضررين بأن المقاومة لن تخذل أحداً و"كل شيء بيتدبر". فما كان علينا إلّا توجيه السؤال مجدداً إلى المصدر البلدي فأشار "إلى أنه شخصياً لم يفقد بيته، ولكن لا كهرباء في حارته، وبالتالي لن تكون عودته متاحة ريثما تعاد صيانة البنى التحتية".



حملنا ثقل المشهد من سحمر إلى تمنين. أوّل بلدة بعلبكية واقعة على تخوم محافظة البقاع عززت إسرائيل غاراتها عليها خلال الشهرين الماضيين أيضاً. ولكن المشهد فيها بدا أقل مأسوية من سحمر. بحثنا عن مواقع استهداف إسرائيل، فتم إرشادنا إلى عدة منازل متناثرة في أكثر من طرف من البلدة. ما من شك أن أصحاب هذه المنازل الذين التقيناهم في تفقد ركام بيوتهم، قد مرّوا بحاجز وسطي أقامه شباب من البلدة، وقد ظلّلته رايات الثنائي وصور الرئيس نبيه بري و "سيد المقاومة"، إلى جانب العلم اللبناني، حيث قدّمت الفاكهة والسندويشات للواصلين إلى قراهم، وسط قرقعة للأسلحة النارية التي قيل لنا إنها "احتفاء بالنصر".



وسط هذه الاحتفالات بالنصر التقينا أشخاصاً صمدوا في البلدة طيلة الفترة الماضية، فأخبرنا هؤلاء عن أيام سوداء عاشوها عندما صارت حدود عالمهم سقف منزل ليسوا متأكدين أنه سيحميهم من الموت. استحق هؤلاء مثلهم مثل العائدين التهنئة بسلامتهم، من دون أن يقرأ بعضهم فيها نصراً.



من تمنين اجتزنا طريق الأوتوستراد نحو سرعين الفوقا والنبي شيت، البلدتين اللتين قدّمتا عدداً كبيراً من الشهداء المقاتلين على الجبهة، تشهران انتماءاتهما منذ ما قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على البقاع. وقد انشغل رجال البلدتين في أولى ساعات الهدنة برفع لافتات جديدة تخلد ذكرى شهدائهما الذين سقطوا على الجبهات، بحيث ظلّلت غابة من هذه اللافتات السيارات العائدة إلى البلدة. ولم يخرق هذا المشهد "المنضبط" على وقع تمجيد المقاومة وشهدائها، سوى لافتة رفعت لـ "أم عباس" سكينة مظلوم، الأم الثلاثينية، التي قضت وحدها بغارة على منزلها في بلدتها سرعين، بينما كان ابنها يلهو في الطريق. وقد حضر زوجها مع عدد من أفراد العائلة في أول يوم من وقف النيران لإطلاق التحية على ذكرى زوجة وأطلال منزل.