لندع الجدل السفسطائي حول نتائج الحرب وتفاسيرها، فـ "حزب اللّه" لن يعجزه إيجاد "نصر ما" ليحتفي به مع حاضنته، والغرق في هذه المسألة هو ما يريده لحرف النقاش عن الأصل. ولنتمعّن في بنود اتفاق الهدنة، الذي أبرمه رئيس البرلمان نبيه برّي، بـ "النيابة" عن الدولة، وبـ "الأصالة" عن "الحزب"، بما في ذلك الملحق الأميركي – الإسرائيلي "المتمم له"، والذي تعتبر مصادر سياسية رفيعة أن مصطلحات اللغة العربية، على غناها، تعجز عن منحه التوصيف اللائق به.
تقول المصادر إنه إذا كان اتفاق "17 أيار" 1983 "إذعاناً"، حسب توصيف الرئيس السوري حافظ الأسد، وجرى تصويره على أنه شيطان رجيم محرّمٌ ذكره، فإن الاتفاق الحالي ليس أقلّ من "إذعان Plus"، بما يمنح الأول القليل من الإنصاف التاريخي المتأخر.
وبالمقارنة بينهما، فإن "17 أيار"، الذي قام مجد "الشيعية السياسية" على أنقاضه، كان أكثر احتراماً للدولة اللبنانية وسيادتها ومؤسساتها الشرعية، في الشكل والمضمون. في حين أن بنود الاتفاق الحالي تطيح بالأباطيل والأراجيف التي ارتكز عليها "الحزب" لصناعة أسطورته، وأسر الدولة والشعب في قمقم "محور المقاولة".
ومن قبله الرئيس نبيه برّي الذي صعد نجمه السياسي على جثة "17 أيار" الذي وصفه بـ "الإذلال والفضيحة"، فقاد انتفاضة "6 شباط" 1984 ضد الشرعية، وضد بيروت وأهلها، وضد الطبقة السياسية التقليدية، وخصوصاً الشيعية منها، محيلاً إياها إلى التقاعد.
بالطبع لم يكن برّي ليتمكن من فعل كل ذلك لولا دعم "الأخ" حافظ الأسد، الذي اتخذ موقفاً "ممانعاً" من "17 أيار" لا لشيء سوى أنه لم يكن شريكاً مضارباً فيه، كما دلت على ذلك لعنة "تلازم المسارين" في ما بعد. وأجاد توظيف "ممانعته" له من أجل الإتيان بطبقة سياسية مطواعة، وجعل منه سيفاً بيد "الشيعية السياسية" مصلتاً على رقاب السنة، أمعن في ابتزازهم وتعييرهم بأنهم ليسوا "مقاومة"، ولا سيّما بعدما استوى عود "الحزب" وورث الوصاية.
وتذكّر المصادر بأن الاتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا، أقرّته حكومة الرئيس شفيق الوزان في 14 أيار 1983، ووافق عليه البرلمان في جلسة عقدت في اليوم نفسه، حيث صوّت له 65 نائباً، وتغيّب 19، وامتنع 4، وعارضه 2، هما زاهر الخطيب ونجاح واكيم، اللذان سيكونان اليوم من المنافحين عمّا هو أسوأ منه بكثير. لكن يبقى وضعهما أفضل من أعضاء البرلمان الحالي والحكومة.
ذاك الاتفاق الذي حمل اسم التاريخ الذي جرى توقيعه فيه، وألغي بقانون صادر عن المجلس النيابي بتاريخ 15 حزيران 1987 تحت رقم 87/25، نصّت بنوده على إقامة منطقة أمنية في الجنوب تكون فيها "القوات والعناصر المنظمة الوحيدة المسموح بها هي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وإنشاء لجنة لحل أي مشكلة ناجمة عن تنفيذ الترتيبات الأمنية، ومناقشة أي انتهاك، وانسحاب القوات الإسرائيلية خلال 12 أسبوعاً".
كما نصّت على "حق الفريقين الطبيعي في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي"، والذي تحوّل في "الإذعان Plus" إلى حرية الحركة للجيش الإسرائيلي في ملاحقة أي انتهاك، حسب منظوره، وذلك في حال لم يتمكن الجيش اللبناني بالاشتراك مع "اليونيفيل" من معالجته.
وعلى عكس كل ما سيق بحقه، لم يؤسس "17 أيار" لعلاقات دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل، بل اقتصر على الاعتراف المتبادل بالسيادة وسلامة الأراضي، وحافظ على حقوق لبنان في حدوده البحرية. عاد "الثنائي الشيعي" وتنازل عن قسم "ثريّ" منها، واعترف بإسرائيل بشكل رسمي وموثق في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، ولذلك أصرّ على إبقائها سرية، كما الملحق "المتمم" للاتفاق الحالي. فهل يفضي الـ "إذعان Plus" إلى ولادة جبهة سياسية وطنية، كما نشأت "جبهة الإنقاذ الوطني" عام 1983؟