في اليوم الثاني من عملية "ردع العدوان" التي أطلقها تحالف من فصائل سورية مسلّحة بقيادة "هيئة تحرير الشام"، تابع "التحالف" توغّله الأكبر منذ آذار 2020 في مناطق سيطرة النظام وحلفائه في حلب، فيما شنت القوات الجوية الروسية والسورية عشرات الغارات على مناطق سيطرة الفصائل المسلّحة، ما أدّى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وأسفرت المواجهات الضارية عن مقتل 187 مقاتلاً، توزعوا بين 126 قتيلاً من "الهيئة" و"الجيش الوطني" المساند لها، مقابل 61 قتيلاً لقوات النظام والميليشيات المساندة له.
ومع توسّع رقعة المناطق التي سيطرت عليها الفصائل وانفلاش "ردع العدوان" جغرافيّاً، قطعت الفصائل طريق دمشق - حلب الدولي "أم 5" عند بلدة الزربة في ريف حلب، إضافة إلى سيطرتها على عقدة الطريقين الدوليين "أم 4" و"أم 5" عند مدينة سراقب، ما يعطّل الطريق عن العمل بعد إعادة افتتاحه من قبل قوات النظام قبل سنوات. كما تمكّنت "الهيئة" والفصائل من إحكام سيطرتها على قرية شابور قرب مدينة سراقب في ريف إدلب الشرقي والدخول إلى أحد أحياء المدينة من الجهة الغربية، وفق "المرصد السوري".
وسيطرت أيضاً على قريتي داديخ وكفربطيخ في ريف إدلب الشرقي وعلى قريتي كفربسين وأرناز والزربة في ريف حلب الغربي، بعد مواجهات عنيفة مع قوات النظام، التي أسرت خلالها "الهيئة" 12 عنصراً نظاميّاً في قرية عاجل ومحيط الجمعيات القريبة منها وعنصرين آخرين في ريف حلب الغربي.
وأفاد مصدر عسكري لوكالة "رويترز" بأن الفصائل تقدّمت وأصبحت على مسافة 10 كيلومترات تقريباً من مشارف مدينة حلب وعلى بُعد بضعة كيلومترات من بلدتي نبل والزهراء اللتين فيهما حضور قوي لـ "حزب الله". كما هاجمت مطار النيرب شرق حلب، حيث تتمركز فصائل موالية لإيران.
هذه التطوّرات الميدانية الدراماتيكية، فرضت دفع "الفرقة الرابعة" و"الفرقة 25 مهام خاصة" و"الفرقة 11" في قوات النظام، تعزيزات عسكرية ضخمة إلى حلب وإدلب، تشمل أسلحة ثقيلة ومدرّعات ومئات الجنود لصدّ تقدّم الفصائل المتجهة نحو ضواحي مدينة حلب، بينما نزحت عائلات من ضواحي حلب والأحياء الغربية ونبل والزهراء، خوفاً من هجوم "الهيئة" والقصف على المناطق المدنية. بالتوازي، أكد الجيش السوري أنه يتعاون مع روسيا و"قوات صديقة" لم يسمّها، لاستعادة الأرض وإعادة الوضع إلى ما كان عليه.
وكان لافتاً مقتل البريغادير جنرال في "الحرس الثوري" الإيراني كيومارس بورهاشمي، الذي يُعدّ أحد أهم المستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا، قرب مدينة حلب خلال هجوم الفصائل، فيما اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن هذه التطوّرات "هي مخطّط أميركي - صهيوني لإرباك الأمن والاستقرار في المنطقة عقب اخفاقات وهزائم الكيان الصهيوني أمام المقاومة".
إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية تركية لـ "رويترز" أن قوات المعارضة في شمال سوريا شنت عملية محدودة في أعقاب هجمات نفذتها قوات النظام السوري على منطقة "خفض التصعيد" في إدلب، لكنها وسّعت عمليتها بعدما تخلّت قوات النظام عن مواقعها. ولفت مصدر في الدفاع التركية إلى أن أنقرة تتابع هذه التطوّرات عن كثب، واتخذت الاحتياطات اللازمة لضمان أمن القوات التركية هناك.
ورأى محلّلون أن عدم استجابة رئيس النظام السوري بشار الأسد لدعوات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعقد لقاء ثنائي، دفعت الأخير إلى "الضغط عسكريّاً" على الأسد لكي يُغيّر موقفه ويقبل بالجلوس حول طاولة "مفاوضات التطبيع" بين دمشق وأنقرة، مشيرين إلى أن "الأعطاب" التي ألمّت بالأذرع الإيرانية بسبب المواجهة القاسية مع إسرائيل، غيّرت في موازين القوى داخل سوريا والمنطقة، الأمر الذي فتح الباب لإعادة رسم خريطة النفوذ والسيطرة الميدانية، ما شجّع أنقرة على ملء "فراغ أمني" لمسته بحكم "تضعضع" الميليشيات الإيرانية وإعطاء موسكو الأولوية لحربها ضدّ أوكرانيا، في وقت تتضارب فيه مصالح "الدب الروسي" مع إيران في سوريا.