الجدل حول النصر والهزيمة، وما إذا كانت شروط أحدهما قد توفرت في الحرب الأخيرة، ليس في صميمه جدل حول هذه المسألة، بل هو أساساً تعبير عن خلاف حول الموقف من "حزب الله" وسلاحه. فالقائلون بالنصر إنما يريدون ان يعلنوا تمسكهم بـ"الحزب" برغم الخسائر. أما القائلون بالهزيمة فيدعون إلى عكس ذلك.
المفارقة أن الجماعة الأكثر تضرراً من هذه الحرب هي الأكثر إصراراً على تصويرها انتصاراً، ربما لأن شعورها بالخسارة سيكون مضاعفاً لو هي أقرّت بأن تضحيتها ذهبت هباءً. لكن الأهم أن هذه الجماعة، التي خسرت قادتها وأولادها وبيوتها، لا تريد ان تخسر أيضاً سطوتها داخل المجتمع اللبناني التي وفرها لها سلاح "الحزب". فهذه الغلبة صارت إلى حد كبير جزءاً من هوية تلك الجماعة ونظرتها إلى نفسها، وهو ما ولّد لديها شعوراً قوياً، وإن مبالغاً فيه، بأن أي مساس بهذه السطوة هو مساس بكرامتها كجماعة. فهي حين تصر على مقولة الانتصار رغم الخسائر فإنما تعلن استعدادها لتحمل أكلاف الحرب بدل تحمل أكلاف التخلّي عن تلك السطوة.
لا شك أن الحرب الأخيرة خلقت قلقاً عارماً لدى الكثيرين في بيئة "حزب الله" من أن تكون هذه بداية أفول زمن الغلبة. لذا أتى الاعتصام بحبل الانتصار للقول إن أي هزيمة أمام إسرائيل لن تعني تراجعاً عن تلك الغلبة التي عمادها وشرطها الأساس الالتفاف شبه المطلق حول "الحزب" وسلاحه. فالقول بالانتصار إذاً ليس إلا تعبيراً عن نية الجماعة الاستمرار في احتضان "الحزب" كشرط ضروري لأي أمل في الحفاظ على الغلبة أو استعادتها. وبهذا المعنى يكون الإصرار على الانتصار جزءاً من السعي لبلوغ الانتصار نفسه، إذا ما فُهم أساساً بوصفه انتصاراً للغلبة في الداخل.
في المقابل، فالذين يدعون بيئة "الحزب" إلى الإقرار بالهزيمة يأملون في أن تُقنع الحرب وأوجاعها تلك بيئة "الحزب"، وهي المصاب الاول بهذه الأوجاع، بمراجعة تأييدها لـ"الحزب" الذي جر عليها ويلات الحرب، أي أن أصحاب مقولة الهزيمة يأملون بأن تقتنع هذه البيئة بأن أكلاف السطوة التي يؤمّنها "الحزب" صارت اكثر بكثير من مكاسبها.
لكن هناك عوائق أمام وصول جمهور "الحزب" إلى هذه القناعة. فخسائر الحرب قد وقعت ولذا لا يمكن ردها. أما الغلبة فلعل في الإمكان استعادتها عبر عدم الإقرار بالهزيمة. لذا لن تتغير حال جمهور "حزب الله" هذه، إلا إذا قويت القناعة لديه بأن الأمل بإنعاش زمن الغلبة لم يعد بالأمر اليسير أو الممكن، في حين ان أكلافها لم تنضب بعد. عندها لن يعود هناك من خيار سوى التعايش مع الوضع الجديد والتأقلم مع غياب الغلبة التي أدمنها هذا الجمهور خلال العقدين المنصرمين. فحينها قد يدرك هذا الجمهور أن إدمان الغلبة، كحالات الإدمان عادة، لم يكن امراً سليماً، بل مصدر قلق دائم وعبء على أصحابه يجعلهم عبيداً لإدمانهم يضحون من أجله بالغالي والنفيس.
وثمة أمران إن تحققا بعد وقف إطلاق النار الأخير يستطيعان تعزيز قناعة جمهور "الحزب" بأن زمن الغلبة ولّى. الاول إصرار القوى القادرة والمهتمة على منع "حزب الله" من إعادة بناء قدرته وسطوته العسكرية، والثاني، وبالتوازي مع الأول، إصرار القوى والجماعات اللبنانية المناهضة لسطوة "الحزب" على مقاومة العودة إلى ديناميّات الغلبة التي كانت سائدة قبل الحرب الأخيرة.
وما يؤمل هو أن يأتي يوم ترى فيه بيئة "حزب الله"، أي غالبية الشيعة، أن فقدان الغلبة كان انعتاقاً لها من همّ ووهم كلّفاها وكلّفا شركاءها في الوطن الكثير.