فراس العريضي

حين يتحوّل السلاح من أداة الى هويّة

4 دقائق للقراءة

ليست أزمة "حزب الله" الحقيقية في امتلاكه السلاح، بل في تحوّل هذا السلاح مع الزمن من أداة إلى هوية، ومن وسيلة إلى شرط وجود.

فالجماعات تستطيع التخلي عن أدواتها حين تتغير الظروف، لكنها تخشى التخلي عن العناصر التي باتت ترى فيها تعريفاً لنفسها. هنا تكمن معضلة "حزب الله"، "فمن يعيش بمنطق إذا خسرنا السلاح خسرنا كل شيء يصبح أسير معركة دائمة".

في البدايات، استطاع الحزب أن يبني شرعيته على فكرة “المقاومة” في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مستفيدًا من ضعف الدولة وعجزها من جهة، وتحييد حركات المقاومة الوطنية من جهة أخرى، الى جانب انهيار التوازنات الإقليمية آنذاك. لكن مع مرور الوقت، تغيّرت المنطقة وتغيّر لبنان، بينما بقيت معادلة الحزب ثابتة: أن سلاحه هو ركيزة شرعيته، رغم تمثيله النيابي والوزاري، وكأن حضوره السياسي بات اقل بكثير من فائض القوة التي يملكها.

فحين يصبح السلاح شرطًا للوجود، يصبح السلام تهديدًا، وبالتالي أي نقاش حول الدولة أو السيادة أو الاستراتيجية الدفاعية يتحوّل تلقائيًا إلى “خطر وجودي”.

ومع ذلك لا يمكن فهم تمسّك الحزب بسلاحه بمعزل عن تجربة الاحتلال الإسرائيلي الطويلة، ولا عن شعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأن الدولة اللبنانية عجزت تاريخيًا عن توفير الحماية الكافية، سواء في الجنوب أو خلال مراحل الصراع الإقليمي. كما أن تجربة التحرير عام 2000 عزّزت فكرة أن السلاح لم يكن مجرد خيار أيديولوجي، بل عنصرًا فعليًا في تغيير موازين القوى.

إلا أن التجارب طرحت سؤالاً مختلفاً حول فعالية هذه المعادلة، فالسلاح الذي نجح سابقاً في منع الاعتداءات الإسرائيلية وفق معادلة توازن الرعب، لم يعد يؤدي الوظيفة نفسها التي بررت وجوده، خصوصاً أنه بات مرتبطاً بأجندة خاصة، تارة تتناسب مع المصالح الوطنية وتارة أخرى تشكل عبئاً عليها.

لا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن الدور الإيراني في تحويل الحزب من حركة مقاومة محلية إلى ذراع إقليمية في مشروع أوسع، جعل فكّ الارتباط بين الحزب وسلاحه مرتبطاً بحسابات تتجاوز لبنان بكثير.

وأخطر ما في هذه المعادلة أنها باتت تصيب البنية اللبنانية كلها بالشلل.

فالاقتصاد لا يستطيع أن ينهض وسط واقع أمني مزدوج. والاستثمارات لا تأتي إلى بلد يعرف العالم أن قرار الحرب والسلم فيه ليس محصورًا بالمؤسسات الرسمية. حتى فكرة الإصلاح نفسها تصبح ناقصة، لأن أي إصلاح فعلي يحتاج أولًا إلى وضوح المرجعية السيادية.

كما أن ربط الوجود بالسلاح يضع أي بيئة في مواجهة خوف دائم: خوف من التسوية، خوف من الدولة، خوف من أي تغير إقليمي، وخوف من المستقبل نفسه. وهنا يتحول السلاح من عنصر قوة إلى قيد استراتيجي.

في المقابل، لا يمكن تجاهل غياب الثقة الشيعية من أن تتحول الدولة، في لحظة اختلال داخلي وإقليمي، إلى أداة بيد الآخرين بدل أن تكون مظلة وطنية جامعة. ومعالجة الهواجس الشيعية لا تبدأ بتجريدها من عناصر قوتها، بل بطمأنتها بأن الدولة هي المظلة البديلة وليست أداة قمع بيد الآخرين، خصوصا أن خطاب بعض الأطراف المعارضة للحزب يفتقر أحياناً للمشروع الوطني الجامع، ويبدو كأنه كيد سياسي أو استقواء بالخارج، مما يعزز "البرانويا" الوجودية لدى بيئة الحزب.

والمفارقة ان "توازن الخوف" في لبنان هو لعبة مشتركة؛ فبينما يخاف الحزب وبيئته من خسارة السلاح، تخاف المكونات الأخرى من قمع هذا السلاح وفائض قوته. هذا التوازن المتبادل هو ما يحتاج إلى كسر، وليس الخوف من طرف واحد.

وبغض النظر عن كل هذه الهواجس المتبادلة، هناك واقع لا يمكن الهروب منه، هو أن المنطقة كلها تغيّرت: الأولويات الدولية تبدلت، والتحالفات اختلفت، وحتى مفهوم النفوذ نفسه بات اقتصاديًا وتكنولوجيًا أكثر منه عسكريًا. بينما لا يزال لبنان عالقًا داخل معادلات القرن الماضي، يدفع أثمان الصراعات فيما العالم يعيد رسم مصالحه بأدوات جديدة.

"حزب الله" نجح في تحويل السلاح إلى مصدر قوة، لكنه لم ينجح في تحويل القوة إلى مشروع دولة، لأن المشكلة لم تعد في بندقية تحمل مشروعاً، بل في مشروع لم يعد قادراً على التنفس خارج فوهة البندقية.

والدول التي تُبنى على توازن الخوف لا تصنع مستقبلًا بل تؤجل الانفجار. لذلك، فإن طوق النجاة الوحيد لم يعد تكرار معادلات الماضي، بل الشروع في صياغة مفهوم جديد للأمن القومي اللبناني، يتخلى فيه الجميع عن أوهام الغلبة، وتتحول فيه القوة العسكرية من حامية للطائفة إلى ذراع لحماية الدولة.

هذه مسؤولية لا تقع على الحزب وحده، بل على الدولة التي لم تبنِ بديلاً موثوقاً، وعلى النخب السياسية التي اكتفت بإدارة التوازنات بدل كسرها، غافلة أن الزمن لا ينتظر العالقين في خنادق التاريخ.