لم يكن مستغرباً قيام المعارضة السورية المسلّحة، وعلى وجه التحديد "هيئة تحرير الشام" ("جبهة النصرة" سابقاً) بشن هجوم على المناطق التي استردّها النظام السوري وحلفاؤه في السنوات الأخيرة قبل دخول اتفاق وقف التصعيد حيّز التنفيذ، فالهيئة واجهت معارضة داخلية كبيرة نظراً لإحجامها عن القتال والالتفات إلى بسط سيطرتها على محافظة إدلب وفرض سلطة مطلقة عليها.
الأمر المستغرب كان في الانهيار الكبير الذي حدث وسمح بتغلغل المسلّحين القادمين من الغرب، حيث سيطروا أوّلاً على ريف حلب الغربي ثمّ المدينة، وملاقاة فصائل معارضة أخرى لمقاتلي "تحرير الشام" في مناطق مختلفة، خصوصاً في الأرياف الحلبية.
وفي استعراض للخارطة الميدانية السورية، يتبيّن أن الخاسر الأكبر من موجة هجوم "تحرير الشام" وأخواتها هو إيران، فما حدث كان بمثابة انقلاب على الأخيرة التي كانت لها المساهمة الأبرز في استعادة المناطق الحلبية من الفصائل السورية، تحديداً المدن والمواقع الاستراتيجية، كمعامل الدفاع وطريق خناصر، والمطارات العسكرية ككويرس ومنغ، والأحياء التي كانت خاضعة لمناوئي النظام السوري.
السقوط السريع أخرج إيران وجماعاتها من حلب بعد كلّ الأثمان الباهظة التي دفعتها، إن كان على صعيد الأرواح أو الماديّات، كما خسرت بلدتي نبل والزهراء اللتين صمدتا لسنوات خلال ذروة تقدّم المعارضين قبل عام 2016.
الخاسر الثاني بطبيعة الحال هو النظام السوري الذي وإن كان وهج الإيرانيين أكبر من وهجه في المحافظة الشمالية الاستراتيجية، غير أن المحافظة كانت تعتبر، وفق خرائط توزع القوى وانتشارها على الأراضي السورية، ضمن سيطرته، وبالتالي سيخسر ورقة مهمّة في أي مفاوضات مقبلة.
وبعده يأتي الروسي، ولو معنويّاً، باعتباره أحد أبرز داعمي بقاء رئيس النظام بشار الأسد، علماً أن وجود موسكو القوي لم يتأثر حتى اللحظة، إن كان في حماة أو في مناطق الساحل، حيث قاعدة حميميم. وإلى جانب الروس، أصبح وجود "قوات سوريا الديمقراطية" مهدّداً في حلب، وبالتالي قد تكتب هذه المعركة تراجعها نحو معاقلها الرئيسية في شمال شرق البلاد.
على المقلب الآخر، تقف تركيا على رأس لائحة الرابحين من خلط الأوراق الحالية، فالرئيس رجب طيب أردوغان توجّه مراراً إلى نظيره السوري، مُطالباً بفتح صفحة جديدة من الحوار بنيانه الأساسي كبح جماح الأكراد في الشمال السوري الذي تنظر إليه أنقره على أنه تهديد رئيسي للأمن القومي التركي، وبحث موضوع إعادة اللاجئين السوريين الذين أصبحوا عبئاً ثقيلاً على الحكومة التركية وورقة سياسية يجري استخدامها من قِبل معارضي حزب "العدالة والتنمية" الذي يجد نفسه يوماً بعد يوم في تراجع شعبي مستمرّ.
وبلا شك، ستستفيد مجموعات من المعارضة السورية من هذا التقدّم المفاجئ، ولكن الأمر يتعلّق هنا بهوية هذه الجماعات أو الشخصيات، فالإفادة هنا ستكون على المدى المتوسّط والبعيد وليس القريب، أي عند تهيئة الظروف المناسبة للشروع في تسوية سياسية كبرى تُنهي مرحلة الحروب والمعارك. فـ "تحرير الشام"، أكبر المجموعات المسلّحة وأكثرها تنظيماً، لا تزال على لوائح الإرهاب ويحظر التعامل معها، ويُنظر بريبة إلى دورها وأهدافها بفعل استقطابها للمقاتلين المتطرّفين، سواء الآسيويين أو القادمين من شمال أفريقيا ودول عربية أخرى.
ويُمكن القول إن الولايات المتحدة، وإن كانت في وضع المراقب حاليّاً، إلّا أنها من المستفيدين مِمَّا يجري، فالقتال سيكون دائراً بين "تحرير الشام"، بما تضمّ من أوزبك وقوقاز وعناصر جهادية محلّية من ناحية، والميليشيات العراقية والخليط الأفغاني - الباكستاني من ناحية ثانية، كما أن مناطق تواجد القوات الأميركية بعيد جدّاً عن المعارك.
وحال الولايات المتحدة يشبه حال الدول العربية التي يتركّز همّها الأساسي اليوم على محاربة الإرهاب ودعم وحدة الأراضي السورية، فهذه المعركة قد تكتب في نهاية المطاف نهاية النفوذ الإيراني ومعه الجماعات التي تُقاتله، وتأتي بالنظام والمعارضة ذات القبول العربي والغربي إلى طاولة المفاوضات لوضع حلّ للحرب الدائرة منذ 13 عاماً.