ألين الحاج

أصبح أكثر حذراً ويتجنّب العبارات المبتذلة

قاسم جابر: تغيير قناعات بيئتي يحتاج نسف الصورة الخيالية التي نشأتْ عليها

6 دقائق للقراءة
الممثل الكوميدي قاسم جابر

من دون سابق إنذار، أطلّ قاسم جابر ليشعل يوميات اللبنانيين بضحكات من القلب، ويرسّخ اسمه كعلامة فارقة في عالم الكوميديا الساخرة، حيث نجح بلحيته الطويلة، ولهجته الجنوبية، إضافة إلى أسلوبه العفوي المحبّب في صياغة شخصية استثنائية تجمع بين البساطة والعمق.



بذكاء حاد، شقّ الممثل قاسم جابر طريقه عبر الألغام السياسية والاجتماعية، محوّلاً رسائله الساخرة إلى سلاح فعّال يواجه به بيئة شكّلت هويته، من دون أن يذوب في قيودها أو ينصهر في قوالبها.

منذ انطلاقته، حرص قاسم جابر على عدم تجاوز الخطوط الحمراء، فأكد لـ "نداء الوطن" أنه ميّز من البداية حدود الانتقاد وكيفية تسليط الضوء على السلبيات بأسلوب مدروس. هذا النهج، إلى جانب اختياره البقاء في بلدته كفرتبنيت، قضاء النبطية، والتعايش مع نسيجها الاجتماعي وثقافتها المحليّة، ساهم في تقبّل أبناء بيئته أسلوبه، حيث أثبت قدرته على ملامسة قضاياهم دون المساس بثوابتهم.



بدأ الممثل الكوميدي نشر فيديوات "الكوميديا السوداء" قبل نحو 15 عاماً. ويعزو التفاعل المحدود معها آنذاك إلى انشغال الناس بالمواضيع السطحية، في نقيض تام للوضع الحالي، حيث باتت فيديواته تحصد رواجاً واسعاً بعد تفاقم الأزمات وارتفاع الاهتمام بالمحتوى الجاد الذي يلامس قضايا حسّاسة تتعلق بمستقبل لبنان.



نيران المتنازعَيْن

رغم تأكيد جابر أنه لا ينتمي إلى أي من فريقَيْ "الممانعة" أو "المعارضة" المتنازعَيْن، إلا أنه وجد نفسه، عالقاً بين ناريهما، على حدّ قوله، كاشفاً عن تعرّضه، لحملات قاسية من الطرف السياسي الأوّل بسبب مواقفه غير المتجانسة مع خطّه. من ضمنها تلفيق أحد أحزابها ملف عمالة وتواصل مع العدو، نافياً أن يكون قد سُجن على خلفيته. كما تلقّى تهديدات عديدة، من دون أن يأخذها بالاعتبار، لكون معظمها صادراً عن حسابات وهمية على "إنستغرام"، لا يتجاوز عدد متابعيها العشرة.


في المقابل، اعتبر جابر أنّ فريق المعارضة يتقبّله، لكنّ دعمه لم يخلُ من الاستغلال في بعض الأحيان، وفقاً له، خصوصاً في قضية اتهامه بالعمالة، حيث عمد البعض إلى تضخيم الأحداث ونشر أكاذيب، مثل ادعاء أنه مسجون أو أنه تعرّض للاعتداء والضرب، بهدف تحقيق مكاسب سياسية على حسابه.



أبعد من السياسة، استعرض جابر التحدّيات القاسية التي واجهته منذ بداية مسيرته المهنيّة بعد تخرجه من "الجامعة اللبنانية" في اختصاص العلوم الاجتماعية، حيث وجد نفسه أمام فرص عمل ضئيلة للغاية في الجنوب، ما اضطره للانتقال موقّتاً إلى بيروت بحثاً عن مصادر للدخل، يعتاش منها ويعيل بها عائلته، لا سيّما وأنه يصرّ على الإقامة في بلدته.


الغصّة

لكن، رغم أجواء المرح والفكاهة التي يبثّها، اعترف الكوميدي الجنوبي أنّ ما أصاب "البيئة الشيعية" الموالية للممانعة، ترك أثراً عميقاً في قلبه، مؤكداً أنه "لا يمكن لأيّ دولة، مهما كان حجمها، الدخول في مواجهة مع قوى عظمى دون امتلاكها المقوّمات والمؤهلات اللازمة، لأنّ النتيجة ستكون حتماً كارثية. وهذا ما حدث عندنا"، مستعيداً المثل الشعبي "العين لا تقاوم المخرز".


وأضاف قائلاً "أتمسّك بقناعاتي الخاصة وهي تتلاقى مع قناعات الأحرار الذين يفكّرون بوطنية سليمة، وينسجمون مع تداعيات التغيّرات الإقليمية والدولية".


في السياق، كان لا بد من سؤاله عن مدى نجاح أسلوبه في تغيير قناعات "البيئة" الموالية لـ "حزب الله"، فأجاب بصراحته المعهودة أنّ "هذه "البيئة" لا يمكن أن تتغيّر بالأساليب المسالمة، لأنها بعيدة عن المفاهيم المنطقيّة، كونها أمضت سنوات طويلة تتشرّب شعارات خُلّبية وأوهاماً، دينية وغير دينية".



ويتابع قائلاً "بالتالي لن ينجح شخص مثلي، أو حتى أقوى مني، في إحداث أيّ خرق يُذكر لديها عبر الكلام فقط، لأنّ الأمر يتطلّب إعادة صياغة مفاهيمهم الدينية، ونسف الصورة الخيالية التي نشأوا عليها. ولن يحدث ذلك إلا من خلال تدخّل قوى عظمى تفرض تغييراً من الخارج، كما يحدث الآن من خلال تطبيق قرارات دولية مثل القرار 1701".



على الرغم من ذلك، يوضح جابر أنه يحتفظ بعلاقات صداقة مع العديد ممّن ينتمون إلى "البيئة" التي ينتقدها، مشيراً إلى حوارات صريحة تجمعهم، "خلال جلساتنا الخاصة، يعترفون لي أنني على حق، ثم يضيفون بصراحة عدم قدرتهم على تغيير موقفهم".


عن جبران تويني

فيديوات جابر اللاذعة بحذر، لم تخلُ في إحدى المرات من استخدام كلمة "غنم" لوصف ردود فعل "البيئة" تجاه الأحداث. هي الكلمة التي أثارت موجة غضب عارمة عندما استخدمها الشهيد جبران تويني. ومع ذلك، مرّت مع جابر من دون أي اعتراض يُذكر. والسبب وفق التفسير الذي يراه جابر أقرب إلى الواقع هو أنّ "تويني كان أول من استخدم الكلمة، ما شكّل صدمة قوية لدى "جمهور البيئة"، لكنها اليوم باتت مألوفة لديهم"، مضيفاً "أو ربما أصبحت "البيئة" أقل حساسية تجاه النقد ولم تعد تثير ردود فعل عنيفة كما كانت تفعل في السابق".


الشهرة والتغيير

أما عن التغيير الذي أحدثته الشهرة في حياته، فلم ينكر الممثل قاسم جابر أنّ الشهرة تجربة ممتعة، لكنه اعترف أيضاً أنها أثقلت كاهله بمسؤولية كبيرة، "عندما يصبح لديك آلاف المتابعين على منصّات التواصل الاجتماعي، تتضاعف المسؤولية تجاه كل كلمة تقولها". وأضاف "الاهتمام الكبير الذي حظيت به خلال الحرب الأخيرة جعلني أفكر بشكل أعمق في كلّ فكرة أطرحها، وأصبح لديّ دافع قوي لدراستها بعناية من جميع الزوايا والتأكد من دقة تفاصيلها قبل مشاركتها".



ويتابع: "في السابق، كنت أنشر الفيديوات بشكل عفوي دون ضبط كامل للمحتوى، لكنني أصبحت أكثر حذراً الآن وأتجنب العبارات المبتذلة والبذيئة، لأنني أدرك أنني أدخل كل بيت، ويتابعني الأب والأم والأولاد، وهذه مسؤولية كبيرة".


والأهم من ذلك، شدّد جابر على أنه أصبح أكثر تجرّداً وموضوعية، مع حرصه على تقديم محتوى هادف بعيداً عن المبالغة. كما أشار إلى أنّ قراره بفتح حساب على منصة "إكس" بعد غياب عنها، جاء بتشجيع من صديق له حقق نجاحاً ملحوظاً عليها، رغم عدم اقتناعه الشخصي بالفكرة في البداية. ومع ذلك، اعتبر جابر أن هذه المنصّة تمثّل فرصة حقيقية لإحداث نقلة نوعية في مسيرته، لافتاً إلى أنه بدأ في "فيسبوك"، ثم انتقل إلى "إنستغرام"، تلاه "يوتيوب" حيث أغلقت قناته ثم أعيد فتحها، وأخيراً دخل عالم "تيكتوك".



في هذا الإطار، اعتبر جابر أنّ اللبنانيين يتوزعون على منصات التواصل حسب اهتماماتهم، "السياسة تجدها على "إكس"، الموضة على "إنستغرام"، المواضيع الشعبية على "فيسبوك"، بينما "تيكتوك" للأكثر شعبيّة".


الأعمال الفنية

أخيراً، كان لا بدّ من التطرق إلى الأعمال المسرحية لقاسم جابر بعيداً من المواد التي ينشرها على مواقع التواصل، فكشف أنه بدأ مسيرته المسرحية منذ ست سنوات، عندما قدّم أول عروضه المونولوجية في مدينة صور، ثم انتقل إلى مسارح بيروت. وأعلن عن تحضيراته الحالية لعرض مسرحي جديد يقدّمه بين عيدَيْ الميلاد ورأس السنة، بالإضافة إلى عرض آخر بعنوان "زاروب عزيزة"، وهي أعمال ساخرة تعكس الحياة اليومية للمجتمع اللبناني.



واختتم جابر حديثه بنكهة فكاهية، قائلاً إنه يخطط للمطالبة بتعويضات من شركات "الويسكي"، لا سيّما أنه مضطر لاستهلاكها لتجاوز صعوبات العيش في هذا البلد!




الشهرة تجربة ممتعة لكنها أثقلت كاهله



الممثل الكوميدي قاسم جابر