جويل غسطين

مسرحيّة «الدب»: حداد وحب وكوميديا من روسيا إلى لبنان

5 دقائق للقراءة


ابتداءً من الليلة، 2 تموز، وحتى 5 تموز 2026، جمهور «مسرح المونو» في الأشرفية على موعد، عند الساعة 7:30 مساءً، مع إحدى أشهر روائع الكاتب الروسي أنطون تشيخوف: «الدب»، في اقتباس مسرحي أعدّه الكاتب ديمتري ملكي وأخرجه شادي الهبر. في هذا العمل، يختلط الضحك بالتأمّل، والحب بالفقدان، والحدّة بالحنان، إذ تنسج المسرحية حكاية أرملة حبست نفسها في حداد طويل على زوجها الراحل، قبل أن يقلب رجل غاضب، يطالب بحقّه المالي، عالمها رأسًا على عقب. وبين المواجهة والرفض والاندفاع، تتكشف مفارقات إنسانية آسرة، تذكّرنا بأنّ الحياة قادرة دائمًا على مفاجأتنا، وأنّ القلب الذي أغلقته الخسارة قد يجد طريقه مجدّدًا إلى النبض. 

في عرض مسرحي يحمل روح تشيخوف الساخرة والعميقة، ويقدَّم للجمهور اللبناني بلمسة محليّة نابضة بالحياة، يطلّ على الخشبة الممثلون ميسا حانوني يعفوري، وكريس غفري، وبولا مطران، تحت إدارة المخرج شادي الهبر، الذي يعزو انجذابه إلى إخراج هذا العمل، في الدرجة الأولى، إلى اسم كاتبه أنطون تشيخوف (1860 - 1904)، مشيرًا في حديث مع «نداء الوطن» إلى أنه لم يسبق له أن قدّم عملا من المسرح العالمي، وكان يتوق إلى خوض تجربة مسرح تشيخوف تحديدًا، لما تحمله نصوصه من شخصيات شديدة الواقعية والصدق، تنبض بمنطق الحياة اليومية. ويرى الهبر أنّ ما يميّز تشيخوف هو تلك المعادلة الصعبة التي تجمع بين البساطة والعمق، أو ما يُعرف بـ «السهل الممتنع».

«الدب» (1888) نص كوميدي بطبيعته، والكوميديا عند تشيخوف ليست عنصرًا عابرًا يمكن تبديله، بل هي جزء عضوي من بنية النص وروحه، بحيث يستحيل تحويله إلى تراجيديا، كما يقول الهبر. فالنص، برأي مؤسّس «مسرح شغل بيت»، يفرض هويته الكوميدية بذكاء لافت، لا سيّما أنّ مفارقاته تتكشّف أكثر فوق الخشبة، حيث تتعاظم طاقته الساخرة مع الأداء التمثيلي. ويضيف أنّ اقتباس ديمتري ملكي و «لبننة» العمل قرّبا النص أكثر من الجمهور المحلّي، من خلال إدخاله في سياق الحياة اللبنانية اليومية، مع الحفاظ على دقة التفاصيل وروح النص الأصلي، في خطوة يصفها ببراعة فنية لافتة.


نص روسي بثوب لبناني

بالنسبة إلى الكاتب ديمتري ملكي، جاءت فكرة اقتباس نص «الدب» بناءً على اقتراح من المخرج شادي الهبر، وذلك بعدما تعذّر العثور على نسخة مقتبسة وجاهزة للعرض المسرحي. ويوضح ملكي لـ «نداء الوطن» أنه لم يُجرِ تعديلات جوهرية على مضمون النص، بل اكتفى ببعض التغييرات البسيطة في الحوارات المرتبطة مباشرة بالمجتمع الروسي، والتي قد لا يتفاعل معها الجمهور اللبناني أو قد لا يفهم أبعادها. لذلك عمل على «لبننتها» بما ينسجم مع خصوصية مجتمعنا.

أما الممثل كريس غفري، الذي يجسّد شخصية «الدب» في العمل المسرحي، فيشير إلى أنّ المدخل الأساسي لفهم الدور كان الغوص في تركيبته النفسية: ما الذي يستفزّه؟ ما الذي يشعل غضبه؟ وكيف يطالب بحقوقه؟ فالرجل الذي يجسّد غفري شخصيته كان قد أقرض الآخرين المال، قبل أن تنقلب ظروفه ويجد نفسه مضطرًا إلى استرداد ديونه، ما يدفعه إلى منزل الأرملة المدينة له، حيث يبلغ غضبه ذروته أمام المماطلة والرفض.

هذا التصاعد الدرامي لا يختصر الشخصية في بعدها العصبي، إذ يرى غفري، في حديث لـ«نداء الوطن»، أنّ في داخلها حنينًا ورقّة وإنسانية عميقة، ما يخلق تناقضًا جذابًا بين القسوة الظاهرة واللين الكامن. ويؤكّد أنّ هذا الصراع بين العنف والحنان هو صراع إنساني عام، وجد فيه مساحة مشتركة بينه وبين الدور، ما ساعده على أدائه بصدق. أما التحدّي الأكبر بالنسبة إلى غفري، فكان الابتعاد عن طبيعته الشخصية من حيث نبرة الصوت وحركة الجسد وطريقة التعبير، لإبراز حدّة الشخصية واستفزازها، من دون إغفال وجهها الإنساني.


وفاء وإغواء

الممثلة ميسا حانوني يعفوري تتحدّث، من جهتها، عن شخصيتها في المسرحية: «الست لور». هي أرملة شابة فقدت زوجها منذ عام، لكنها لا تزال تعيش على وقع ذكراه، غير قادرة على تجاوز الحداد عليه. توضح يعفوري، في حديثها مع «نداء الوطن»، أنّ تحضيرها للدور كان نفسيًا بالدرجة الأولى، إذ حاولت أن تضع نفسها فعليًا في موقع امرأة اختبرت الفقد، وأن تستشعر التناقض بين الوفاء لذكرى حب مضى، وإمكان الانفتاح على حب جديد. هذا الصراع الداخلي، شكّل مدخلها الأساسي إلى الشخصية. وترى يعفوري أنّ الدور قريب جدًا من واقعنا اليومي، إذ يعكس صورة مجتمع نعيشه بكل تناقضاته، حتى لو لم نعترف بذلك صراحة. وتعبّر عن أملها في أن تصل الرسائل الكامنة في النص إلى المشاهدين، لا سيّما أنّ العمل ينتمي إلى المسرح العالمي، وتحديدًا إلى المسرح الروسي ممثَّلا بالكاتب أنطون تشيخوف، وهو ما يمنحه، برأيها، قيمة فنية مميّزة بحدّ ذاته.

شخصية «ملفينا»، الخادمة الوفية للأرملة «لور»، تؤديها بولا مطران، التي تصف الشخصية بالمخلصة والصادقة في محبّتها لمخدومتها. ورغم كونها تميل أحيانًا إلى شيء من الحدّة، فإنها تحمل في داخلها حنانًا وخوفًا حقيقيَّين عليها. كما أنها الشاهد على الصراعات العاطفية والتوترات المتصاعدة بين الشخصيّتَين الأساسيّتَين، وتسعى باستمرار إلى الحفاظ على هدوء البيت. وترى مطران، في حديثها مع «نداء الوطن»، أنّ «ملفينا» عفوية، تتصرّف بدافع الخوف والمحبّة، لا بدافع البطولة. ورغم كونها شخصية ثانوية، فإنّ حضورها أساسي في تخفيف حدّة الفوضى داخل العمل. وعن التحديات، تقول مطران إنّ إظهار القلق والخوف بصورة طبيعية وعفوية كان الأصعب، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على إيقاع الكوميديا وسرعة العرض.

بذلك، تعود مسرحية «الدب» إلى الحياة من جديد، عابرة الزمن والجغرافيا من روسيا تشيخوف إلى لبنان اليوم، لتؤكّد أنّ المشاعر الإنسانية الكبرى لا تعرف حدودًا ولا تنتمي إلى عصر واحد. ففي قلب الكوميديا الساخرة، يطرح العمل أسئلة عميقة عن الحداد والحب والقدرة على النهوض بعد الخسارة، مقدّمًا للجمهور تجربة مسرحية تجمع بين الضحك والتأمّل، وتُثبت مرة أخرى أنّ المسرح الحقيقي هو ذاك القادر على ملامسة الإنسان في كل زمان ومكان.