جواد الصايغ

توهّم إمكانية العودة إلى ما قبل 2011

خطايا الأسد القاتلة

4 دقائق للقراءة
صورة الأسد ممزقة في مطار حماة العسكري (رويترز)

بعد سقوط النظام السوري برئاسة بشار الأسد، ثمة حقائق تكشف فداحة الأخطاء السياسية التي ارتُكبت على مدار السنوات الأخيرة وأدّت إلى انهيار النظام. ففي مقارنة بين فترتي رئيس النظام السابق حافظ الأسد وخليفته الهارب بشار الأسد، يتضح مدى الاختلاف الجذري في امتصاص الهجمات وكيفية لعب الأوراق السياسية وتوزيعها، فالأسد الأب كان لاعباً في الساحات المجاورة، ورغم المطبات التي واجهت النظام، غير أنه تمكّن على الدوام من إتقان فن المناورة، ويكفي التذكير بأنه عندما كان حليفه الاستراتيجي، الاتحاد السوفياتي، في طور التفكّك والنيران محيطة به من كلّ جانب، عبر النظام وسطها حاملاً جائزة إدارة لبنان في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.




الإبن الذي تسلّم الحكم في عام 2000، خسر النفوذ السوري المباشر في لبنان عام 2005، وبعد سنوات قليلة خسر أكثر من نصف سوريا لصالح معارضيه، ولكن رغم ذلك التراجع ساعده معارضوه، خصوصاً أصحاب النهج الإيديولوجي في البداية والذين أدّت ممارساتهم وتصريحاتهم إلى إثارة ريبة الدول المناوئة للأسد، فغيّرت من طريقة تعاطيها مع الأزمة السورية وأصبحت تقاربها بشكل حذر، ليتجند العالم بعد ذلك لخدمة النظام بشكل مباشر أو غير مباشر، فضرب التحالف الدولي تنظيم "داعش" بلا هوادة، وقضى في طريقه أيضاً على قادة من "جيش الفتح" الذي كان قد استولى على إدلب وأراد الإطباق على ما تبقى من أحياء مدينة حلب غير الخاضعة لسيطرة المعارضة.




وعلى المقلب الآخر، تجند نصف العالم الآخر سياسيّاً وعسكريّاً خلف النظام، من الصين إلى روسيا وإيران، وتمكّنت القوة المشتركة من قلب الطاولة ميدانيّاً بشكل كلّي، فاختفى تواجد المعارضة المسلّحة في أرياف دمشق وحمص وحماة وحلب، حيث انحشرت جميع الفصائل في مناطق متفرّقة من إدلب وريف حلب الشمالي. ومع بداية عام 2020، وصلت قوات الأسد إلى سراقب الواقعة في ريف محافظة إدلب والتي تعدّ مدينة استراتيجية بفعل تشكيلها نقطة التقاء الطرق الدولية التي تربط عدّة محافظات سورية.




في موازاة التقدّم الاستراتيجي عسكريّاً بدعم موسكو وطهران وجماعات الأخيرة، اعتقد النظام أن إمكانية العودة بالبلاد إلى ما قبل 2011 أصبحت حقيقة مُمكنة، فهو صاحب اليد الطولى على الأرض، والمعارضة في أسوأ أيامها ودعم الدول لها بالتأكيد سيتراجع. كما أن انفتاحاً عربيّاً بدأت تتلمّسه السلطة في دمشق، وبالتالي "تقريش" التقدّم العسكري باتفاق سياسي مع المناوئين بات لزوم ما لا يلزم، وقد شكّلت هذه النظرية واحدة من أكبر الخطايا التي دفع النظام ثمنها الآن، فهو تجاهل مثلاً كلّ الدعوات التركية التي صدرت عن رجب طيب أردوغان، صاحب التأثير الأكبر على المعارضين، معتبراً أن الرئيس التركي في مأزق نتيجة عاملين، الأوّل تواجد الأكراد على الشريط الحدودي مع بلاده، والثاني يتعلّق بأزمة النزوح وغضب الأتراك المتصاعد من الوجود السوري الكثيف في المدن التركية، خصوصاً اسطنبول.




ظن النظام أن هذه المشكلات، بالإضافة إلى التدهور الاقتصادي في أنقرة ستؤدّي إلى سقوط أردوغان، وصوّر نفسه أنه وبمجرّد تلبية دعوات الحوار المتكرّرة سيكون قد مدّ حبل النجاة إليه. كما تجاهل إلى حدّ كبير القرارات الأممية ووجود المعارضة المنتشرة بين إدلب والخارج، فهو لم يُحاول استمالتها عبر الطلب منها المشاركة في الحياة السياسية ولو بحقائب وزارية رمزية، وهناك من يقول إن جماعات كثيرة، بينها "الإخوان"، كانت بعد عام 2020 تنتظر فقط وصول عرض إليها بالحصول على مكاسب سياسية بسيطة لتسارع إلى القبول، بالتزامن مع حوار النظام مع تركيا، ومعها كان سيُسدل الستار على ملف المعارضة.




داخليّاً أيضاً، فشل النظام في تصحيح الأخطاء التي وقع فيها بين عامَي 2012 و2016 عندما استعاد حلب، فالدعوات الروسية إليه بإنشاء جيش عصري مُحترف لم تنجح واستمرّ الاعتماد على سياسة التجنيد العشوائي عبر ملاحقة المتخلّفين في الشوارع، وتمديد الاحتياط رغم قرارات التسريح التي كانت تصدر بين الفترة والأخرى. وأيضاً، تدهورت مرتبات الجنود بشكل دراماتيكي نتيجة انهيار العملة الوطنية، وباتت القطع العسكرية تعتمد على نفسها لتحصيل قوتها اليومي. وبلا أدنى شك، فإن انهيار العملة ساهم أيضاً في ظلّ العقوبات، بتضخم اقتصادي كبير في مناطق نفوذه، مشكّلاً عبئاً ثقيلاً على مؤيّديه.