فتات عيّاد

هل يلاحق القضاء مجرمي الأسد في لبنان؟

5 دقائق للقراءة
القضاء اللبناني أمام امتحان مفصليّ

تتوالى ردود الفعل السياسية والشعبية على فضيحة إختباء كبار رجالات نظام الأسد في بيروت وفنادقها، وبحماية من "أمن الدولة" وغطاء من "حزب الله"، والذي كشفته مصادر أمنية رفيعة لـ"نداء الوطن"، في مقال لها أمس الأول تحت عنوان "رموز النظام المخلوع نزلاء في أهم الفنادق"، واستتبعته بمقال في عددها اليوم بعنوان "نزوح فلول الأسد إلى لبنان... أين "أمن" الدولة؟ ".



أمام هذه الفضيحة التي لم يكذبها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وأكد عليها الأمن العام اللبناني ضمناً، مع تنفيذ الضابط في الأمن العام، أحمد نكد، الذي سهل دخول رجالات ومخابرات النظام إلى لبنان عند معبر المصنع، مذكرة مدير الأمن العام اللواء الياس البيسري، والتي تقضي بمنحه إجازة، وتسلّم الضابط إيهاب الديراني مهامه في المركز، كان اللبنانيون، الذين دفعت بلادهم ثمن النفوذ السوري في لبنان دماً، يطالبون بالتحرك الفوري للقضاء اللبناني والأجهزة الأمنية، بهدف اعتقال ومحاكمة المطلوبين المختبئين في بيروت قبل محاولتهم الهرب عبر مطار بيروت الدولي، وفي طليعتهم اللواء علي مملوك، المطلوب كذلك للعدالة اللبنانية بتهمة الإرهاب، لتورّطه بتفجير مسجدَي التقوى والسلام في طرابلس، وفق القضاء اللبناني.



وفي مرحلة مفصلية كالتي يمر بها لبنان من دويلة السلاح نحو بناء الدولة، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن تبعات استمرار لبنان بإيواء مطلوبين دوليين؟ وهل ينجح القضاء اللبناني عبر النائب العام التمييزي جمال الحجار، والجيش اللبناني برئاسة العماد جوزف عون، المرشح الأبرز لرئاسة الجمهورية، بامتحان تحقيق العدالة للبنانيين بإعتقال ومحاكمة علي مملوك وغيره من المطلوبين؟ ليكتبوا عهداً جديداً من تاريخ لبنان، دولة القضاء والمؤسسات، والعدالة؟


لإعتقالهم ومحاكمتهم فورا 

"العدالة لازم تتحقّق"، تقول المحامية ديالا شحادة، مؤكدة وجوب "اعتقال ومحاكمة أيّ شخص متورّط في جرائم بحق الدولة والشعب اللبناني، وعلى رأسهم علي مملوك، المطلوب بجريمة واقعة على أمن الدولة اللبنانية، حيث أصدر القضاء العسكري مذكرة توقيف غيابية بحقه عام 2013".



مع سقوط نظام بشار الأسد، بات القضاء اللبناني اليوم، أمام امتحان مفصليّ مع سقوط الوصايتين الإيرانيّة والسوريّة، وبات الجسم القضائي محرّراً من أي ترهيب كان يمارس على القضاة.



المسؤولية أيضاً تتشاركها قيادة الجيش، فتعتبر شحادة أن "على قائد الجيش العماد جوزيف عون، الذي يقدّم نفسه على أنه مرشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية (وفق رأي شحادة)، أن يثبت بأنه يستطيع تطبيق دولة القانون والمساواة".



صحيح أن مخابرات الجيش ليست ضابطة عدلية، لكنها على تعاون معها "والمطلوب من الجيش، حماية الحدود اللبنانية والمسارعة باعتقال علي مملوك ومحاكمته محاكمة عادلة أمام القضاء اللبناني إذا ثبت وجوده في لبنان، وعدم السماح له بمغادرة البلاد عبر مطار بيروت الدولي".




السجن حتى تسليمهم إلى سوريا

إنّ الاعتقال والمحاكمة، لا ينطبقان على علي مملوك وحده، بل يسري على كلّ رموز النظام السوري ومخابراته. في هذا السياق، تشرح شحادة أنّ "قانون العقوبات اللبنانية يسمح بمعاقبتهم على الأراضي اللبنانية بجرائم ارتكبوها خارج لبنان (في سوريا) ويحاسب عليها قانون العقوبات اللبنانية، وذلك حتى من دون أن يطلب القضاء السوري ذلك. من هنا، المطلوب قضائياً، هو توقيفهم فوراً ومحاكمتهم أمام القضاء اللبناني إلى أن يطالب بهم القضاء السوري وفق الاتفاقية الثنائية الموقّعة بين البلدين لتسليم المطلوبين بين لبنان وسوريا".


في المقابل، هذه القاعدة طبّقت على آلاف السوريين المعارضين للنظام السوري في لبنان، حيث تم اعتقالهم ومحاكمتهم في لبنان منذ العام 2012، لمجرد مشاركتهم في معركة حقّ تقرير مصيرهم في سوريا، وهو ما سمح بالإفلات من العقاب من دون أي محاسبة للأجهزة الأمنية التي عذّبت هؤلاء في سجونها بسبب معارضتهم نظام الأسد.



لبنان يحتضن مطلوبين دوليين؟

أمّا تبعات إيواء مجرمي نظام الأسد في لبنان، فمرتبطة بمدى عدم التزام لبنان بالتزاماته الدولية. علي مملوك، ملاحق فرنسيّاً وبحقّه مذكرة توقيف دولية. إلى ذلك، تشير شحادة "إلى أن التزام لبنان بتسليم مطلوبين، يكون حصراً عبر اتفاقات ثنائية مع بلدان تدينهم وتطالب القضاء اللبناني بتسليمهم".



وتجدر الإشارة إلى أنه حتى لو بات مملوك وغيره ملاحقين من الجنائية الدولية، فإن لبنان غير ملزم بتسليمهم، إلّا في حالة قبوله باختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وكانت الحكومة اللبنانية وافقت عليه في نيسان الماضي قبل أن تتراجع عنه في أيار بقرار تعديلي، فيما المطلوب منها اليوم هو العودة عن قرارها، والقبول باختصاص المحكمة، لضمان تسليم هؤلاء المطلوبين أو غيرهم للجنائية الدولية إذا تمّت إدانتهم مستقبلاً.



أما على المستوى السياسي، فتذكّر شحادة بأنّ "لبنان يأوي مطلوبين منذ زمن، كما لم يُسلّم المتهمين بقتل الشهيد رفيق الحريري إلى المحكمة الدولية، ما يجعل الدولة اللبنانية مطالبة بالكثير من الإصلاحات في هذا المجال".



لتحركات حقوقية

إذاً، المطلوب شعبياً اليوم، هو تحركات من المجتمع الحقوقي في لبنان، من محامين وحقوقيين، للضغط على القضاء اللبناني في سبيل توقيف واعتقال مملوك وبقية فلول النظام السوري.



أما المطلوب سياسياً، فهو تنفيذ قانون العقوبات اللبناني، باعتقال من تسببوا بجرائم بحق اللبنانيين من أزلام النظام السوري، كفرصة حقيقية ليس لتثبيت فكرة هيمنة نظام الأسد في لبنان، بل كذلك لقيام دولة القضاء والمؤسسات والعدالة، التي دفع اللبنانيون أكلافا باهظة في سبيلها، وما زالوا يدفعون إلى اليوم.