أصولها العسكرية "تهلك" بضربات إسرائيلية

سوريا «تنغمس» في مرحلتها الانتقالية

5 دقائق للقراءة
المشهد كما بدا في دمشق أمس (رويترز)

بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها نوعاً ما في العاصمة السورية دمشق أمس، بعدما طوت البلاد الصفحة المصبوغة بالدم لـ «سوريا الأسد» إلى غير رجعة فجر الأحد، فيما انطلقت رسميّاً فترة المرحلة الانتقالية مع تكليف «هيئة تحرير الشام» الإسلامية محمد البشير ليرأس حكومة موَقتة، لـ «تنغمس» بذلك البلاد في مسار سياسي متشعّب ومعقّد قد يطول، كما قد تتخلّله «مطبّات» عسكرية وأمنية وخارجية.


وأعلن البشير تولّيه رسميّاً قيادة حكومة انتقالية حتى الأوّل من آذار، بعد جلسة ضمّت فريق العمل في «حكومة الإنقاذ» التي كانت عاملة في منطقة إدلب، بالإضافة إلى الحكومة السورية للنظام المخلوع، والتي هدفت إلى «نقل المؤسّسات والملفات وتسيير الأعمال». وكان البشير يتحدّث من غرفة اجتماعات ويظهر من خلفه علم المعارضة وعلم أبيض مكتوب عليه الشهادتان باللون الأسود، والذي ترفعه عادة الجماعات الجهادية المسلّحة.


ولا يحظى البشير بمكانة سياسية كبيرة خارج إدلب، وهي منطقة ريفية صغيرة في شمال غرب البلاد كانت خاضعة لسيطرة «الهيئة» خلال سنوات من الجمود على خطوط المواجهة في الحرب الأهلية السورية، إذ إن إدارة منطقة صغيرة تختلف تماماً عن المهمّة الجديدة الموكلة إليه لإدارة المرحلة الانتقالية بعد حرب أهلية طاحنة.


في الأثناء، أعادت البنوك فتح أبوابها للمرّة الأولى منذ إطاحة الأسد، كما فتحت المتاجر أبوابها وعادت حركة المرور إلى الطرق، في وقت استأنف فيه عمّال البناء مهامهم وبدأ عمّال النظافة تنظيف الشوارع. وكان لافتاً ما كشفه رئيس غرفة تجارة دمشق باسل الحموي خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» عن أن الحكومة السورية الجديدة أبلغت رجال الأعمال بأنها ستتبنى نموذج السوق الحرّة وتدمج البلاد في الاقتصاد العالمي، في ما سيكون تحوّلاً جذريّاً عن سيطرة الدولة على الاقتصاد لعقود.


وكان هناك انخفاض ملحوظ في عدد الرجال المسلّحين في الشوارع. وكشف مصدران مقرّبان من مقاتلي الفصائل أن قيادة الفصائل أمرت مقاتليها بالإنسحاب من المدن وبنشر وحدات من الشرطة وقوات الأمن الداخلي التابعة لـ «هيئة تحرير الشام».


دوليّاً، حدّدت واشنطن شروطها في ما يتعلّق بالانتقال السياسي في سوريا، موضحة أنها ستعترف بحكومة سورية مستقبلية عندما تكون في شكل حكم موثوق وشامل وغير طائفي يفي بالمعايير الدولية للشفافية والمساءلة، بما يتفق مع مبادئ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.


ولم يذكر بيان وزير الخارجية أنتوني بلينكن «هيئة تحرير الشام»، لكنه أكد مراراً ضرورة أن تتسم أي حكومة سورية مستقبلية باشتمال الجميع واحترام حقوق الأقليّات مع ضمان عدم استخدام سوريا كقاعدة للإرهاب، في وقت تواصل فيه بلينكن مع نظرائه في الأردن والإمارات وقطر ومصر في شأن الوضع في سوريا.


من ناحيتها، رأت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن هناك مخاوف مشروعة في شأن مخاطر العنف الطائفي في سوريا وتجدّد التطرّف في البلاد، معتبرةً أن «تقييم الأشخاص الجُدد يكون بأفعالهم». وإذ تحدّثت عن أنه «من المُبكر للغاية توقع مسار ما يحدث»، أوضحت أن «الإشارات الأولية جيّدة، لكننا لن نتعجّل في شأن أي ترتيبات إذا لم يكن لدينا يقين».


توازياً، نفذت الدولة العبرية إحدى أكبر العمليات الجوية في تاريخها لتدمير السلاح الجوّي والبحري والأسلحة الكيماوية والاستراتيجية للجيش السوري، في ما وصفه مراقبون بـ «عملية هلاك الأصول العسكرية» السورية. وكشف الجيش الإسرائيلي أنه شنّ 480 ضربة خلال 48 ساعة على «أهداف استراتيجية» في سوريا، «خشية سقوطها بيد عناصر إرهابية»، مشيراً إلى أن الأهداف شملت مواقع ترسو فيها 15 قطعة بحرية، فضلاً عن بطاريات صواريخ أرض - جو ومطارات سلاح الجو والعشرات من مواقع الانتاج في مناطق مختلفة.


وتوجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى قادة سوريا الجُدد، محذّراً من أنه «إذا سمح هذا النظام لإيران بإعادة ترسيخ وجودها في سوريا، أو سمح بنقل أسلحة إيرانية أو أي أسلحة أخرى إلى «حزب الله»، أو إذا هاجمَنا، فسوف نردّ بقوّة، وسندفّعه ثمناً باهظاً». واعتبر أن «ما حلّ بالنظام السابق سيحلّ بهذا النظام»، في وقت أمرت فيه إسرائيل قواتها بإنشاء «منطقة دفاع خالصة» في جنوب سوريا والتي ستفرض من دون وجود إسرائيلي دائم، مع تشديد قبضتها على طول المنطقة العازلة بين سوريا ومرتفعات الجولان، وسط تنديد عربي بالخطوة الإسرائيلية.


وعلى الرغم من الهزيمة الاستراتيجية المدوّية التي مُنيت بها إيران في سوريا، زعم قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال جلسة مُغلقة لأعضاء البرلمان أن الجمهورية الإسلامية لم تضعف بعد سقوط الأسد، في وقت تفيد تقارير بارتفاع أصوات تطالب باستبدال قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بسبب الفشل في سوريا. في المقابل، زار قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال إريك كوريلا سوريا أمس للقاء القوات الأميركية و»قوات سوريا الديمقراطية». وأوضح الجيش الأميركي أن كوريلا تلقى «تقييماً مباشراً لتدابير حماية القوات والوضع السريع التطوّر والجهود الجارية لمنع تنظيم «الدولة الإسلامية» من استغلال الوضع الحالي».