كوليت مرشليان

"منزل الذكريات" لمحمود شقير:

القدس المحتلّة تحت وطأة الأحلام

4 دقائق للقراءة
كتاب محمود شقير صدر عن «دار هاشيت أنطوان/ نوفل» (2024)

تحت خانة «نوفيلاّ: «رواية قصيرة» تقع «منزل الذكريات» للكاتب الفلسطيني محمود شقير، وبالتالي فهي لا تتعدّى 176 صفحة من الحجم الوسط، ما يتناسب مع قارئ اليوم الذي لم يعد ينجذب إلى المطوّلات الأدبيّة.



كتاب مفعم بالذكريات والماضي إذ أنّ البطل أو الراوي يعيش منذ الصفحة الأولى مصاعب الفقد بعد أن رحلت زوجته متأثّرة بمرض «كوفيد». لكن بعض تفاصيل الرواية يُنذر بأجوائها الغرائبيّة، إذ سرعان ما يعلن المؤلف أنّ من حضر الجنازة من أصحابه جعله يشعر بالتعزية، ومنهم العجوز إيغوشي، بطل رواية الياباني ياسوناري كاواباتا في «الجميلات النائمات» الصادرة عام 1961، وأيضاً العجوز التسعيني بطل رواية الكولومبي غارسيا ماركيز في «ذكريات غانياتي الحزينات» الصادرة عام 2004.



اختيار الروائي لهذين البطلين يشارك في الإعلان عن تفاصيل الرواية: فالبطل، الملقّب بأحمد الأصغر، كاتب في السابعة والثمانين يعيش وحدته بعد رحيل زوجته. وهو على مشارف النهاية يتذكّر أنه لم يعرف من النساء سوى زوجته سناء، وفتاة أحبّها في سنّ المراهقة. فيحاول أن يلتقط ما تبقّى له من نفس وروح وجسد، علّه يستدرك ما فاته، لكنه سرعان ما يكتشف أنّ الواقع مدمّر له ولا خلاص سوى بالأحلام. وتجسّد هذا الواقع في الرواية أسمهان، المرأة الخمسينيّة الأرملة، التي وجدت فيه صيداً ثميناً. يرغمه شقيقها على الزواج منها بعد أن يفتضح أمر لقائها به وتنتهي المغامرة بأن يجبره على التنازل عن منزله وعقار أرض لقاء الطلاق بعد فترة وجيزة.



تخيّلات في كتاب

يبقى أنّ التخيّلات هي الجزء الأكبر من الكتاب ومعظمها يستوحيها من البطلين: إيغوشي الذي اكتفى بالاستلقاء على سرير إلى جانب جميلة نائمة يتأمل من خلالها كل مسار حياته العاطفيّة والجنسيّة، وعجوز ماركيز الذي يحارب فكرة الموت بطيف امرأة شابة هربت منه. ينجح محمود شقير في جذب القارئ عبر هذه الزاوية وهو لا ينسى الخارج، أيّ خارج منزل الأحلام، حيث ثمّة من يتربّص به، وهو المحتلّ الإسرائيلي الذي يطلّ في الرواية أكثر من مرّة ليوقفه أو ليسجنه. أو هو هنا أيضاً ليكسر جمالية أحلامه وهلوساته، لكنّه سرعان ما يغيب أو يختفي من فصل إلى آخر. نصّ سرديّ جميل تتخلله مجموعة عناوين: «سناء»، «قهوة الصباح»، «خزانة الثياب»، «إلتباس»، «أحلام مقننة»... وأخيراً: «إخلاء البيت».


الحلم الأخير

يفقد البطل بيته ما قبل الفصل الأخير وينتقل إلى منزل صديقه، أمّا حلمه الأخير فتبدّل ودخل جنود الاحتلال المنزل لإلقاء القبض عليه... «لكنهم ذابوا في ثنايا الليل مثل عصابة من اللصوص...» أمّا زوجته الثانية فتعود مبتسمة قويّة وقد «تحرّرت من سطوة أخيها المجرم الشيطان». ليست النهاية التلقائيّة لهذا العمل الروائي سوى نهاية حتميّة للواقع. غير أنّ ما يجذب في كتاب محمود شقير هو لعبة التخفّي التي يمارسها منذ بداية الفصل الأول.


فيشعر القارئ وكأنّ الكاتب يُهرّب صديقيه إيغوشي وعجوز ماركيز إلى أرض القدس المحتلّة، ونراه يتسكّع معهما في أسواق المدينة القديمة من دون خوف أو حذر من رصاص المحتلّين الذين يحاولون أن يُفقدوا جماعة الحالمين تلك لذة الاستمتاع بلحظاتهم، فيفرضون حواجزهم هنا وتدخّلاتهم هناك، وهمّ لا يدرون أنّ هؤلاء لم يعد يعني لهم الواقع شيئاً ولا حتى عيشهم تحت وطأة الاحتلال.



فالجغرافيا تفلّتت عند أحمد الأصغر وضاعت قصصهم ما بين القدس ويابان كاواباتا وكولومبيا ماركيز: إنها سطوة عالم الرواية الهائل بمعانيه ومنعطفاته والعابر للزمان والمكان. فليس من أمر قادر على خرق نوستالجيا ذكريات البطل الذي يستعين بجماليات ما قرأه في الأدب العالمي في شبابه ليسعفه في الفترة الأخيرة من حياته.




"منزل الذكريات" صدر في بيروت عن "دار هاشيت أنطوان/ نوفل" (2024)