الدنيا عيد. الحجيج في سلام الله. حروب سوريا واليمن وليبيا في تصاعد. مزيد من الشقاء وخراب العمران بدل إعادة الإعمار. مزيد من نزوح المواطنين بدل عودة النازحين. حرب الخائفين من الحرب المصرّين على التخويف بها وبشمولها المنطقة كلها مستمرة بين أميركا وإيران والوكلاء. النسخة اللبنانية من "حرب الوردتين" دقت ساعة توقفها في ظل بيان سياسي أميركي، وتمنيات أوروبية، وانكشاف الخطأ والإرتباك في حسابات محليّة وأقليمية، وتخوف مالي واقتصادي من التأثر سلباً بتراجع تصنيف لبنان في البيانات التي تصدرها وكالات التصنيف الدولية. وهكذا نزل "الأبطال" من على الأشجار العالية، عندما سمحت بذلك الجهة التي دفعت إلى الصعود ثم تركت لسعاة الخير مهمة مد السلالم للهبوط.
لكن الهبوط كان على أرض تمور تحت الجميع. أرض مملوءة بالنفايات العضوية والسياسية، محرومة من البيئة النظيفة، تتحكم بها مافيات وتحكمها تركيبة لم تتغير منذ الحرب، ولا أزعجها الفشل في تأمين الماء والكهرباء وفرص العمل وجمع العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، مع أنها أنفقت بين 1993 و2018 نحو 244 مليار دولار 8% منها فقط للإستثمارات. وأرض من المتوسط الى الخليج مزروعة بالألغام ومدججة بالقنابل والصواريخ الجاهزة لإشعال المنطقة في مواجهة أميركا دفاعاً عن إيران ومشروعها الأقليمي. وأقل التحديات أمامنا أن نتعلم شيئاً من الدروس القديمة والجديدة.
الدرس الأول للذين صعدوا إلى الأشجار العالية، ويختصره مثل أميركي إذ يروي جيمس بيكر في مذكراته أنه اضطر لذكره أمام مسؤول عربي كبير، وهو: "كلما تسلق القرد مكاناً أكثر ارتفاعاً، أمكنت رؤية مؤخرته أكثر".
الدرس الثاني لنا كمواطنين عاديين، وهو أن الإنتقال من تبادل الإتهامات الخطيرة بالتصفية السياسية والتصفية الجسدية إلى المصالحة بخفة الغزال يضع أمامنا معادلة محددة: إما أن الأتهامات كانت كاذبة أو أقله مبالغاً فيها، وإمّا أن المصالحة هي تكاذب مشترك عند "شيخ العشيرة".
الدرس الثالث للذين يدمنون المغامرات ويمارسون غطرسة القوة وأحياناً غطرسة الضعف، وهو: إلى متى نكرر الحسابات الخاطئة في الداخل ومع الخارج وندفع ثمنها من دون أن نتعلم من التجربة؟
والدرس الرابع يتعلق بطبيعة العمل السياسي في لبنان وطبائع السياسيين، وهو: متى نتوقف عن الإنحدار من عظمة السياسة بصفة كونها أهم اختراع للإجتماع الإنساني إلى تفاهة السياسة؟ كيف صارت الديموقراطية ديماغوجية، ومواكب المسلحين والحمايات والطرق المقطوعة ووسائل التشاتم الإجتماعي وجه لبنان؟ وأين موقع الثقافة التي كانت مجد لبنان؟
في مئوية لبنان الكبير نخشى أن نبدو فضيحة.