75845

الإصابات

612

الوفيات

37887

المتعافون

فادي كرم

لبنان الحياد... حاجة أيضاً لرافضيه

15 أيلول 2020

02 : 00

هل بالفعل لا يعلم مُمانعو الحياد اللبناني، خطورة إنحياز لبنان لِمحورِهم، ومساوئ عدم إبعاده عن النزاعات الإقليمية والصراعات الدولية في منطقة الشرق الأوسط؟ ألا يُدرِك هذا الفريق المُمانع بالفِعل، بكلّ مُكوّناته المذهبية ومشارِبه الفكرية وأحزابه العلمانية، أنّ إصطفاف لبنان في المِحور الإقليمي المُحرّك لهم، يشكّل مقتلاً له ككيان، ومهجراً لشعبه الخلوق؟ وهل يُغفل عن بال هذا الفريق المُتعالي بقوّة السلاح، أنّ أي غلبة له في المعادلات الداخلية اللبنانية، ستنعكس نتائجها بشكل كارثي على التركيبة اللبنانية المنوّعة؟ وهل قرّر هذا الفريق، عن وعي وإدراك، البدء بمُخطّط إلغاء لبنان، الفسيفساء الفكري والثقافي والسياسي، ذلك اللبنان الذي أزعج بِتنوّعه، جارته ذات المجتمع الواحد، الفاقِدة لميزاته وقدراته على التواصل مع كافة الحضارات المكوّنة للمنطقة والبعيدة عنه؟ فهل يعرف هذا الفريق المُمانع للحياد وللتطوّر وللإزدهار، دروس التاريخ البعيد والحديث الشاهد، على انهزام القوى الغازية لهذا البلد المُستضعف بِصغره، وعلى إسقاط كافة مشاريع الضمّ والإلغاء، وعلى إفشال مشاريع جميع القوى الحديدية التوسّعية التي غادرت أراضيه مذلولة، غير قادرة على استيعاب قدراته وميزات شعبه للعيش الحرّ، وغير مُستفيدة من خصائصِه؟

قد يعتبر المعتدّون بعامل السلاح والقتل والإلغاء أنّ ملاحظاتِنا على استراتيجية وأداء فريق الممانعة، بمصاف الكلام الشاعري والقصائد المُغنّاة والفنون الرحبانية التي تصلح للمسارح وللساحات، ويعتبرون أنّ في زمن الدويلة المسلّحة لم يعد للدولة الحضارية صلاحية وفعالية. وقد يعتبرون أيضاً أنّ طرحنا النوستالجيّ فقدَ دوره في زمن اللغة "الرعديّة الصاروخية"، المُتسلّحة بإعلامٍ خبيث موجّه قادر على التّضليل اليومي للشعب البريء، ومستعدّ لقلب الحقائق كونه لا يحترم مقاييس الإعلام المسؤول الساعي للحقيقة وللسلام.

إنّ هذا البعض المُمانع للبنان بمُمانعته للحياد، والعامل على إلغاء وطن الرسالة الإنسانية، وبلد الجمال والفكر، ومهد الحوارات بين الحضارات، قد أخذ قراره عن وعي، لتصفية وطن الحريّات، وقد تمّ تكليفه شرعيّاً لإعتماد أرض الأرز مَربضاً للصواريخ الخادمة في مسار المفاوضات والمساومات والتسويات، مُتظلّلاً بشِعار التحرير للأرض العربية المُغتصبة أو المدينة المقدّسة المسلوبة. ولكن هذا الفريق، المُتخلّي عن هويّته الوطنية لِأجل إنتمائه المذهبي الفقهي، قد نسيَ أنّ في الساحة اللبنانية ما زال هناك فريق مُمانع له، غير مُستسلم أمام إجرامِه وإغراءاته، فريق لا هوية له إلاّ "الهوية اللبنانية الحرّة"، فريق لم تستطع ان تثنيه كلّ الأساليب الترهيبية والترغيبية والتضليلية والخداعية والوحشية، التي ما زالت آثارها مُعلّمةً على أجساده الحرّة، والأساليب الإعتقالية التي عانى منها سابقاً عندما تحوّل شوكة في داخل ذلك النظام الأمني الذي حكمَ لبنان من عام 1992 وحتى عام 2005، ومَخرزاً بعيون أزلامه عند تحرّره بعد عام 2005، فريق لم يتراجع يوماً، ولن يتنازل اليوم عن قناعاته، بالرغم من النية بتحريك كافة تلك الأساليب القديمة المعهودة، مُضافاً إليها الجيوش الإلكترونية المدفوعة، فريق لن يُقدّم لممانعة الحياد موافقة على الإنحياز، وهذا الفريق يقف الآن في المواجهة، لذلك أصبحت المعادلة: الحياد بوجه الإنحياز، وهنا الخيار.

فعليّاً وعملياً ومنطقياً ووطنياً، ليس هناك خيار بين الطرحين. فبإنحياز لبنان يستمرّ هذا البلد بالخراب والتصادمات والإهتراء والتبعية، ويبقى رهينة حتى زوالِه. أمّا بحياد لبنان، فينتقل إلى مسار التطور والإنفتاح والإقتصاد القوي والعيش المشترك المستقرّ، والقدرة على دعم القضايا الإنسانية المحقّة، ويُصبح حاجة وقدوة.

للأسف، نُدرك تماماً أنّ "حزب الله" الإنحيازي، التابع لمنظومة المشروع التوسّعي الفقهي، مُستمرّ بدوره الإقليمي. إنها مسألة كيانية بالنسبة له، ولذلك فهُو بحاجةٍ دائماً لأغطية من البيئات اللبنانية الأخرى، المسيحية والسنّية والدرزية. من هنا، تأتي حاجته لبديلٍ عن الغطاء الذي خدمه كثيراً، وهو "التيار الوطني الحرّ"، المُتهالِك في بيئته والفاقِد لثقة ناسِه ومُؤيّديه، والذي لم يعُدْ قادراً على إفادة "حزب الله" في معركته الداخلية المستمرّة للإستيلاء على القرار الوطني. فهذا التيّار الساقط لم يعُدْ يستطيع أن يُؤمّن حالة التوازن مع "القوات اللبنانية". وبما أنّ هذه المعادلة تُعتبر من قبل "حزب الله" مسألة أساسية لخدمة إستراتيجيته، فسيعمد إلى إيجاد البديل غير المتوفّر حالياً في أي فريق مسيحي سياسي آخر. ولذلك، فقد لجأ إلى استبدال الأفرقاء المسيحيين "الأغطية" لِمشروعه، بالطروحات المدنية الخبيثة التي قد تخدمه كأغطية فعّالة. فبطروحاته المدنية الجديدة التي تُعطي ظاهرياً صورةً بهيّة وإيجابية تتلاقى مع منطق بعض الأطراف المدنية والدولية، يسعى الى ربح الوقت المهمّ ريثما تأتي التسويات الإقليمية بين مرجعيته الفقهية التي تحكم الشعب الإيراني والإدارة الأميركية الجديدة. فإن أتت التسويات أنعم وأسهل عليه من طروحات الإدارة الحالية، فسيستغني حينها عن طروحاته الحالية المدنية، وإلّا سيبقى على مراوغاته ومناوراته مع كافة المبادرات الدولية والإقليمية والداخلية.

إنّ المنطق السليم يحكُم علينا أن نُدرِك أنّ طروحاته المدنيّة، بباطنها ونتائجها وبأهدافه منها، هيَ خداع من قِبلِه، وأنّ نتائج التوافق معه عليها ليس إلّا إبعاداً أكثر للبنان عن النظام المدني، وتشليح الشعب اللبناني حياته المدنية التي يعيش نسبةً كبيرة منها الآن.

يُدرك "حزب الله" أنّ باستمراره حجز لبنان في المسار الإنحيازي التابع لمِحوره المُمانع، سيصبح هذا الوطن قطعة أرض محروقة مُدمّرة مُلوّثة ومُضافة إلى الأقاليم الفقيرة المظلمة المحكومة من وليّه الفقيه في إيران، ويُدرك أيضاً بالمقابل، أنّ لبنان الحياد سيُمثّل القوة الداعمة لقضايا المنطقة، وبقدراتِه الإقتصادية والسياسية والعلاقاتيّة سيكون بِمثابة الصواريخ الخطيرة على المشروع الدخولي الإسرائيليّ إلى المنطقة العربية والخليجية. كذلك، يُدرك "حزب الله" أنّ حجج لبنان الحيادي، أقوى وأنجعْ من المقوّمات العسكرية الوهمية لإقليمه الإنحيازي. ولكن مع كل هذا الإدراك، يستمرّ "حزب الله" بمحاولة إبقاء لبنان رهينة الإنحيازْ، مُحاوِلاً الإستفادة في الوقت ذاتِه من مميّزات النّأي بالنفس الكاذب والمُمَوّه، بأغطية من حلفائه المسيحيين والسنّيين والدروز.

السؤال المحوريّ الذي يجب طرحه على أنفسنا كلبنانيين مُنتمينَ إلى كافة الأفرقاء السياسية والطائفية، لماذا لا يتراجع هذا الحزب عن مُصادرة لبنان ووضعِه لقمةً سائغة بيد المشروع التوسّعي الفقهي، طالما أنّه يُدرك الفرق الشاسع بين الإنحياز والحياد؟ ولماذا لا يساعد على سحب لبنان من المسار الإنحيازي الإنهياري إلى المسار الحيادي التطوري؟

الجواب الأصحّ الذي وصلْتُ اليه بعد الكثير من مراقبة تصرّفات "حزب الله" ومواقفه وأدائه واستراتيجيته، وجدتُه في طبيعة إنشاء"حزب الله" وحقيقة وجوده وكيانه وتركيبته وعقليته وذهنيته التي تعمل لصالح تطبُّعه وليس طابعِه. فطابع عناصر ومسؤولي "حزب الله"، لبنان، أمّا التطبّع، الفقيه، مع الإشارة إلى أنّ مصلحة اللبنان فيهم ممانِعَة للتطبّع فيهم، أما مصلحة التطبّع فيهم فممانِعَة لِلُبنان الحيادْ فيهم، الذي يضمّنا سوياً كلبنانيين، فمن سيغلب؟ الطابع فيهم أم التطبّع؟؟؟

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.