إذا كنت قد أمضيت ساعات طويلة تحدّق في شاشة هاتفك، تستعرض فيديوات سخيفة لشخص يرقص مع قطط أو مشاهد تنظيف السيارات حتى تلمع، فمرحباً بك في نادي "تعفّن الدماغ"، أو كما يسمّيه البريطانيون بفخامة: "Brain Rot". لا تستغرب، فقد اختير هذا التعبير "كلمة العام" في بريطانيا، ليؤكد أنّ عصرنا الحالي قد دخل رسميّاً مرحلة التحلّل العقلي الرقمي.
تخيّل عقلك كثمرة موز تُركت على رف المطبخ لمدة طويلة، ليتحوّل من الفاكهة النضرة إلى كائن بنّي متجعّد لا يُغري حتى الذباب. نعم، هذا ما يحدث حين تستسلم لمقاطع "تيك توك" التي تستنزف وقتك وطاقتك العقلية.
نعم، "كلمة العام 2024" التي اختارتها "جامعة أكسفورد" هي "Brain rot" أي "تعفّن الدماغ"، يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى التدهور المزعوم في الحالة العقلية أو الفكرية للشخص، والذي يُعتقد أنه ناتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى البسيط أو منخفض الجودة، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. برز هذا المصطلح بشكل ملحوظ خلال عام 2024، حيث زاد استخدامه بنسبة 230% مقارنة بالعام السابق.
وعلى الرغم من أنّ أول استخدام له كان في عام 1854 في كتاب "والدن" لهنري ديفيد ثورو عندما انتقد الكاتب والفيلسوف الأميركي المذكور الميل إلى الأفكار البسيطة على حساب الأفكار العميقة، إلا أنّ هذا المصطلح اكتسب أهمية جديدة في العصر الرقمي، لا سيّما بين الأجيال الشابة مثل "جيل Z" و "جيل ألفا"، ويُستخدم في الوقت الحالي لوصف التأثيرات السلبية للاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي.
لماذا الضحك على هراء؟
ما الذي يجعل فيديو تنّين يطلق ليزراً من مؤخرته، أو كلب بلا وبر يرقص، مضحكاً للغاية؟ الجواب يكمن في الدماغ نفسه، أو في ما تبقى منه! إذ عندما تشاهد هذه المقاطع، فإنها تُحفّز نظام المكافأة لديك، ما يؤدي إلى إفراز مادة الدوبامين، وهي "هرمون السعادة". هذا الإفراز يجعلك تشعر بمتعة عابرة، لكنّها أشبه بوجبة سريعة تتلذذ بها، إنها محشوة بالسعرات الحرارية ولكنها خالية من القيمة الغذائية. بعد الضحك غير المبرّر، قد تجد نفسك تتساءل: "لماذا أضعت وقتي؟"، لتغرق في شعور بالذنب يشبه تماماً ما تشعر به بعد التهام علبة بسكويت كاملة في جلسة واحدة.
دماغك في خطر: ماذا يقول العلم؟
علمياً، لا، الدماغ لن "يتعفّن" بالمعنى الحرفي للكلمة. لكن كما يقول الباحثون في هذا المجال، فإنّ العقل يصبح أقل تحفيزاً، ويبدأ في خسارة قدراته كما يحدث للعضلات عندما لا تُستخدم. هذا لا يعني أنك ستتحول إلى كائن عاجز فكرياً، بل ستجد نفسك أكثر انغماساً في دائرة من الترفيه السلبي وغير المنتج. والأسوأ من ذلك، كما يحذّر أطباء الأعصاب، هو أنّ هذه العادة قد تتحوّل إلى إدمان، وهذا الإدمان على المحتويات السخيفة قد يؤدي إلى اضطرابات نفسيّة مثل القلق، الاكتئاب، بل وحتى تراجع الأداء الدراسي أو المهني. فبدلاً من تعلّم مهارة جديدة أو قراءة كتاب، تجد نفسك تحدّق في فيديو لرجل يُنظف سجّادة "هالو كيتي" حتى تصبح بيضاء ناصعة وهكذا تنظّف السجادة ويتّسخ دماغك.
نقاشات عميقة و "ميمز" سطحية
المشكلة لا تتوقّف عند الفرد، بل تمتد لتؤثّر على المجتمع بأسره. فمع هذا الكم الهائل من الفيديوات العبثيّة، أصبح النقاش الثقافي والفكري في حالة تراجع. بدلاً من الحديث عن قضايا جوهرية أو مناقشة كتب وفنون على اختلافها، يجد الناس أنفسهم محاصرين داخل دوّامة من "الميمز" والتحديات السطحية. ويتحوّل الجيل الجديد، المولود داخل هذا العالم الرقمي، ويصبح من الصعب عليه التفريق بين ما هو ترفيهي وما هو معرفي.
النجاة من هذا المصير الرقمي
لحسن الحظ، الدماغ ليس جهازاً يتعطّل بلا رجعة. كما يقول العلماء، يمكن استعادة قدراته بسهولة بمجرّد التوقف عن الاستهلاك المفرط للمحتويات السخيفة. نعم الحل متوفّر وليس صعباً، بقليل من الإرادة يمكنك تدريب دماغك على التفكير العميق مجدّداً من خلال القراءة، حل الألغاز، أو حتى مناقشة موضوعات ذات معنى مع الأصدقاء. إذاً يمكن للدماغ أن يستعيد قوته في حال التوقف عن استهلاك المحتويات الفارغة. والقراءة، وتعلّم مهارات جديدة، وحتى المحادثات العميقة مع الأصدقاء، كلّها يمكن أن تعيد إشعال شرارة الإبداع.
العقل يحتاج وقوداً حقيقيّاً
بين السخرية والواقع، "تعفّن الدماغ" يعكس حقيقة مريرة عن حياتنا الرقمية الحالية. التكنولوجيا أداة مذهلة، لكنها مثل الشوكولاتة: لذيذة لكنها ضارة عند الإفراط، فهي سيف ذو حدين. لذا، قبل أن تجد نفسك تقضي ثلاث ساعات في مشاهدة شخص يرتّب أغراضه، تذكّر أن عقلك يحتاج إلى غذاء حقيقي، وأنّ معنى الحياة لا يختبئ في فيديو لشخص ينظف سجادة "هالو كيتي" مرات ومرات وأنّ من غير المستحب أن يتحوّل دماغك إلى "بطاطا مهروسة".