بعيون دامعة وفرح "ما عاطيينه لحدا"، احتفل السوريون بذهاب نظام الاستبداد والظلم إلى غير رجعة، معلقين آمالهم على السلطة الجديدة التي ستحكم سوريا الحلم.
بعض الأقليات الدينية لم تعش النشوة نفسها، نشوة الانتصار. فبعضهم هرب من سوريا وآخرون تشبّعوا من الخوف الذي سطّره الأسد في نفوسهم من أن مشروع النظام الجديد لن يحمل سوى عنوان إبادتهم، حتى أن بعضهم اعتبر هذه المجموعات امتداداً لداعش.
ولأنّ الفعل أقوى من القول، أثبت سلوك قيادة العمليات العسكرية المشتركة أنّ هذه المفاهيم خاطئة، فلم تسفك قطرة دم واحدة من دماء هذه الأقليات، بل إنّ نوعاً من التواصل يقام معهم في سبيل بناء الدولة الجديدة.
في السياق، تطمينات كثيرة بعثها قائد "العمليات العسكرية المشتركة" أحمد الشرع، المعروف باسم "أبو محمد الجولاني" إلى المدنيين والأقليات الدينية والعرقية أنهم سيعيشون بأمان.
إلا أن أسئلة كثيرة تدور في أذهان السوريين بعد وقوع بعض الحوادث التي "نقّزتهم" خوفاً من أن يكونوا قد انتقلوا "من تحت الدلفة لتحت المزراب". فسوريا الحرة التي لطالما حلموا بها لا تضم أولئك الذين يظنون أنفسهم أنهم أسياد الغابة، يفعلون بها وبساكنيها ما يشاؤون، تماماً كما فعل الأسد الأب والابن.
وفي تفاصيل هذه الحوادث، أطلّت الممثلة السورية إليانا سعد قبل أيام عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتُخبر تجربتها مع رجال السلطة الجديدة في سوريا، وروت:
"كنت مع صديقي وأوقفنا حاجز... طلبوا هوياتنا وسألنا أحد العناصر عن وجهتنا فقال له صديقي إنه يقوم بتوصيلي إلى بيتي"، فأجاب العنصر "ما في شي عنّا إسمو أصدقاء بين شباب وبنات بالحكومة القادمة"، مضيفاً "أصبحنا بدولة إسلامية".
وتمنت سعد أن تكون هذه الحالة فردية وأن لا تعبّر عن ما هو قادم.
كذلك أطلت الصحافية السورية ميريلا أبو شنب قائلة إن رجلاً مسلحاً بلباس عسكري سألها عن طائفتها قائلاً "هل أنت مسيحية أم درزية أم شيعية؟" وأضاف "لماذا لا ترتدين الحجاب؟".
وعبّرت الصحافية الموالية للثورة عن استيائها إزاء هذا الموقف، واضعة إياه برسم الثوار الأحرار.
وفي حادثة مريبة أيضاً ظهر بعض المسلحين يقومون بتكسير المشروبات الكحولية في متجر بمطار دمشق الدولي، ما تسبّب بخوف خصوصاً بين الأقليات.
تطمينات كثيرة حصلت عليها "نداء الوطن" من مواطنين لبنانيين زاروا سوريا في الأيام القليلة الماضية أي بعد سقوط النظام، مؤكدين أن هذه الحوادث فردية بامتياز ولا تنقل الصورة العامة.
ووفقاً لمعلومات "نداء الوطن"، لا أحد يتعرّض لـ "غير المحجبات" أو "غير الملتحين" بل إنّ المسلحين يتعاملون معهم بكل احترام. كما أنّ الكحول ما زالت تباع بشكل طبيعي في المتاجر وتقدّم في المطاعم، ما يثبت أنّ هذه الحوادث لا يجب أن تشكل تعميماً للوضع القائم في سوريا.
في السياق، إن توجيهات قيادة المعارضة المسلحة واضحة جداً عبر بياناتها التي شدّدت على أنه "يمنع منعاً باتاً التدخل في لباس النساء أو طلب الاحتشام منهن". مؤكدة أن "الحرية الشخصية مكفولة للجميع". كذلك منعت قيادة المعارضة المسلحة المواطنين من استخدام عبارات مثل "دماء الشهداء مقابل بيت" في إشارة إلى المطالبة بالثأر، متوعّدة بمعاقبة كل من يبحث عن "تصفية حساباته".
الصحافي إبراهيم ريحان بدوره، أكد أنه على المعارضة أن لا تُشعر المسيحيين والشيعة والعلويين والإسماعيليين وغيرهم بأنهم أقليات بل يجب أن تشعرهم بأنهم شركاء في حكم سوريا.
فشكل الحكومة الجديدة التي شُكلت، والتي ستدوم ما بين الـ 90 والـ 120 يوماً، تضمّ أشخاصاً من خلفيات ديموغرافية وطائفية معينة، ولم تضم المكوّنات الأخرى.
وتعليقاً على هذا الأمر، طمأن ريحان إلى أنّه وفي سياق مسوّدات الدستور الذي تخيطه المعارضة، ستشارك كل الطوائف في الحكومة، مع التأكيد أن هذه الطوائف الأخرى لا يجب أن تجلس "مكتوفة الأيدي بانتظار دعوتها إلى الحكومة" بل عليها أن تبادر أيضاً.
أما عن سبب وقوع "الثوار" بمثل هذه الأخطاء التي قد تشوه سمعتهم، فهو أن هذه النقلة كانت مفاجئة بالنسبة إليهم وللشعب على حد سواء ولم تسبقها تحضيرات لمرحلة ما بعد تسلّم السلطة ما تسبب ببعض الفوضى والحوادث الفردية.
الأكيد أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة بالنسبة للسوريين الذين يرسمون مرحلة جديدة بعد كثير من القهر والتضحيات. عسى أن تكون هذه النقلة بداية لدولة حرة مستقلة تعوّضهم عن الظلم والتشرّد الذي عاشوه خلال السنوات المنصرمة.