بشار حيدر

الهوية الوطنيّة لسوريا ما بعد الأسد

3 دقائق للقراءة

اعتاد السوريون، حتى منذ ما قبل حكم آل الأسد، على تعريف بلدهم بـ "قلب العروبة النابض"، وقد بنوا مخيلتهم الوطنية على روايات مؤسسة عن مقاومة الاستعمار الفرنسي ونصرة فلسطين والوحدة العربية. وتبنى آل الأسد هذه التعريفات والروايات وأسسوا عليها مبررات سطوتهم الوحشية على الشعب السوري على امتداد أكثر من نصف قرن.


اليوم، ومع سقوط نظام الأسد، يجب إعادة النظر في تلك السردية المؤسسة للهوية الوطنية السورية. فما يُعرِّف السوريين اليوم، أكثر من أي شيء آخر، هو معاناتهم الطويلة والمريرة في ظل عهدي الأسد، الأب والإبن. فلا ميسلون ولا الوحدة مع مصر ولا حرب اكتوبر عام 73، ولا كل تلك الأيقونات هي ما يطبع الوجدان السوري اليوم، لكن ما يشكل وعيهم، في المقابل، هو عقود الذل والهوان والألم التي لم تعرف كيف تنتهي.


القهر السوري هو ما يجب على السوريين ان يقيموا هويتهم عليه، ذلك إن أرادوا تطوير سردية وطنية تحكي معاناتهم وتضحياتهم الحقيقية، سرديةٍ تشفيهم وتشفي غليلهم، وتعيد لهم كرامتهم وتصالحهم مع أنفسهم، والأهم من ذلك كله، تحميهم من تكرار ما حصل.


فكما في متاحف الهولوكوست، على السوريين ان يبنوا متاحف لهولوكوستهم، إن جاز التعبير: متاحف تروي قصة كل فرد وعائلة وقرية وبلدة ومدينة عانت من نظام الأسدين، وأن يقيموا معارض تحكي قصص الاعتقال والتعذيب والقتل والتدمير والأسلحة الكيميائية وبراميل الموت، وأن ينشئوا مراكز أبحاث وأقساماً جامعية تعنى بالقهر السوري، تدرس وتعمل على جمع كل ما يمت لهذا القهر بصلة، وأن يعلّموا أولادهم في المدارس حكاية ذلك القهر وانتصارهم عليه، وأن يجعلوا من زيارة سجون صيدنايا وتدمر وغيرها من الأماكن التي تشهد على العذاب السوري طقوساً تشكل وعيهم الوطني والإنساني.

لكن هناك تحدياً لا يمكن إغفاله في بناء تلك الهوية الوطنية الجديدة. وهو أن سردية القهر هذه قد لا تكون جامعة بالقدر الكافي لكل فئات الشعب السوري. فهناك في هذه السردية المقهورون الذين هم في غالبيتهم من السنّة، وهناك القاهرون الذين هم في غالبيتهم علويون. وقد يصعب صهر الطرفين في رواية، واحدة ووعي واحد.

وهناك خياران متاحان في التعامل مع هذه المشكلة: الأول أن يُنظر إلى العلويين أيضاً كضحايا لنظام الأسد الذي استخدمهم لتمكين سلطانه وتركهم لمصيرهم بعدما سرق أعمارهم وأموالهم. أما الثاني فأن يتبنى العلويون رواية القهر السوري، ولكن من منطلق الاعتراف بالذنب وليس من منطلق الاشتراك في المظلومية.


ولا شك أن الخيار الأول هو الأسهل والأيسر وإن كان على قدر من المجافاة للحقيقة. لكن هذا ليس بالأمر الغريب. فغالباً ما كان بناء هويات وطنية جامعة يتطلب قدراً ما من تلك المجافاة. لكنها تظل أقل مخالفةً للواقع السوري من تلك الهوية المبنية على مقارعة الاحتلال والاستعمار. أما الخيار الثاني، وهو تبني العلويين رواية القهر السوري من منطلق المذنب، فربما كان أقرب إلى الحقيقة لكنه أصعب منالاً. فهو يتطلب من المذنب قدراً كبيراً من الشجاعة، ومن الضحية قدرة عالية على التسامح.


وربما كان الخيار الأفضل في مزيج ما من هذين الخيارين.


لكنْ، وبغض النظر عن تلك التعقيدات التي ينطوي عليها بناء هوية وطنية سورية غير زائفة، يبقى أن التأسيس لهذه الهوية ضرورة لبناء مجتمع سياسي سوري عصي على القهر والاستبداد.