فيليب عادل حنين

منذ أكثر من ثلاثة عقود، والمطرقة تحسم التصويت… ونحو مليون ونصف لبناني حسموا أمر الرحيل

6 دقائق للقراءة

لم أخطّط يوماً لحضور جلسة نيابية. كنت أعتقد أن متابعتها عبر التلفزيون تمنح المواطن ما يكفيه من التوتر، لكنني تلقّيت دعوة يصعب الاعتذار عنها، فذهبت إلى ساحة النجمة.

عند الحاجز، ذكرت اسمي، فوجده الجندي على اللائحة وسمح لي بالدخول فوراً. كانت تلك أول مفاجأة في الزيارة: إجراء رسمي يعمل كما يجب. أما المفاجأة الثانية، فكانت أن هذا الانتظام انتهى عند باب القاعة.

هناك لا تحتاج كثيراً إلى معرفة النظام، بل إلى معرفة الباب والشخص والاستثناء الذي يخصّك. كل واحد يعرف مكانه داخل شبكة تبدو أكثر تماسكاً من الدولة نفسها.

عندها فهمت شيئاً من معنى "الدولة العميقة": ليست غرفة سرية تحت الأرض، بل جماعة تعمل فوقها في وضح النهار، والجميع فيها مطمئن إلى موقعه داخل الشبكة، لا إلى موقعه داخل دولة حقيقية.

في الطابق المخصّص للضيوف، كانت المرافق تؤدي الحد الأدنى من وظيفتها: موجودة لتلبية الحاجة، لا لتعكس مستوى إحد أهم مؤسسات الدولة. أما كوب الماء، فلم أعرف إن كان غير متوافر أم غير مسموح به. وفي الحالتين، كان غيابه مؤسفاً، خصوصاً عندما أصبحت بعض المداخلات خانقة إلى درجة أن المستمع يحتاج إلى الماء كي يبتلعها، لا إلى توضيح إضافي كي يفهمها.

مُنع الصحافيون من إدخال هواتفهم، فكان عليهم الخروج إلى الممر كلما أرادوا إرسال خبر، ثم العودة إلى القاعة. في الوقت نفسه، بدا أن بعض الضيوف لم يواجهوا الصرامة نفسها وهم يلتقطون الصور التذكارية. ومن مراقبة المشهد، بدا لي أن المشكلة لم تكن في الهاتف، بل في الوظيفة التي يؤديها: إن نقل خبراً أصبح خطراً ينبغي ضبطه، وإن التقط صورة للذكرى عاد جهازاً بريئاً لا يهدد النظام العام.

ما إن بدأت الجلسة حتى ظهر المايستروات الموزعون في القاعة. أحدهم يجيب عن كل شيء بثقة تجعل أينشتاين يعيد النظر في مسيرته العلمية، وآخر يفتح موضوعاً جانبياً كلما اقترب النقاش من نقطة محرجة. وعندما يبدأ وزير مختص في تقديم تفسير تقني، يتدخل نائب ليشرح له اختصاصه، ويصحح له ما قاله، ثم يتهمه بأنه لم يُجب، رغم أنه لم يسمح له بإكمال جملة واحدة.

أما الوزراء الأكفاء، فكان بعض النواب يضعونهم في مواجهة بعضهم بعضاً، لا بحثاً عن الحقيقة، بل دفاعاً عن الحزب والطائفة والزعيم. وعندما يحاول أحد طرح فكرة مفيدة، تنطلق نقاط النظام والتوضيحات والاعتراضات. يضيع السؤال، ويبقى صوت المقاطعين.

بعض النواب يرفع يده لأنه يريد الكلام، وبعضهم يرفعها لأنه لا يحتمل رؤية يد غيره مرفوعة.

وهناك من يضغط زر طلب الكلام مراراً، فيقطع صوته بنفسه، ثم يغضب لأنهم لم يسمحوا له بالكلام. معركة كاملة دفاعاً عن مداخلة لم يسمعها أحد، وربما لم تكن جاهزة أصلاً.

بعد الاستماع إلى مداولات متداخلة ومربكة، بدا الحمّام أكثر المؤسسات انتظاماً في المبنى. صحيح أن الصدأ ظهر هنا وهناك، وأن الصنبور لم يكن في أبهى حالاته، لكنه عمل، والمياه جرت، وكل شيء أدّى الغرض الذي صُمّم من أجله. أما القاعة الرئيسية، فبدت أقل قدرة على إنجاز مهمتها بهذه السهولة.

وفجأة تعطّلت الشاشة المخصّصة لإظهار عدد الأصوات. ضغط الفريق التقني الأزرار، وتبادل نظرات جدية، ثم وقف أمامها كما يقف اللبناني أمام مؤسسة رسمية: حاولنا، لكن لا شيء يعمل.

ولم يؤثر العطل كثيراً، فالعدّ لم يكن دائماً ضرورياً. يطلب الرئيس رفع الأيدي، فترتفع مجموعة منها، وقبل أن يتمكن أحد من إحصائها يأتي القرار: "أُقرّ". وترتفع أيادٍ مشابهة مرة أخرى، فيقال: "لم ينل الاقتراح الأكثرية".

ربما يملك أحدهم قدرة خارقة على العد، أو أصبحت الأكثرية شعوراً داخلياً لا يحتاج إلى أرقام. إذا كانت النتيجة مناسبة، يجري التصويت بسرعة لا تسمح بالاعتراض. وإذا لم تكن مناسبة، يصبح النظام الداخلي كتاباً مفتوحاً على التأويل.

لكن العطل لم يكن في الشاشة وحدها، بل في نظام داخلي ما زال يتعامل مع رفع الأيدي كأن المجلس صفّ مدرسي ينتظر إذن المعلّم. ما يحتاجه المجلس ليس شاشة جديدة فحسب، بل تصويتاً إلكترونياً علنياً يظهر اسم كل نائب وموقفه، فلا تضيع الأكثرية بين عين الرئيس وسرعة المطرقة. ويحتاج أيضاً إلى أن تُكتب التعديلات وتوزّع على النواب قبل الجلسة بأسبوع على الأقل، كي تُقرأ وتُناقش، لا أن تهبط في القاعة قبل التصويت بدقائق.

ومن موقع المراقب، بدت معظم البنود أقرب إلى استثناءات تُضاف إلى قوانين عامة، أو ترقيعات متفرقة، فيما كانت قلة محدودة تتعلق بالتصديق أو الإبرام. التشريع ليس ورشة تنظيف عشوائي للقوانين، ولا باباً خلفياً للتوظيف والاستثناءات، بل يفترض أن يكون مشروعاً منظماً لبناء الدولة وإدارتها. ومن دون نظام داخلي حديث، سيبقى المجلس قادراً على تعديل كل شيء، باستثناء الطريقة التي يعمل بها.

وهناك من كان يستعرض غضبه، لا لتغيير القرار أو حسم مسألة جوهرية، بل لضمان تسجيل موقفه في المحضر. ترتفع الأصوات، وتُضرب الطاولات، فيما يعلم الجميع أن القرار سيمر أو يسقط بصرف النظر عن العرض. المهم أن يعود النائب إلى جمهوره ويقول: "لقد اعترضت".

أما بعض الحاضرين فبقوا صامتين: حضروا، راقبوا ثم غادروا. أما الأكثر إحراجاً، فهم من كان يُنتظر منهم الاعتراض على مسألة أساسية، أو الدفاع عن مشروع يعزّز بناء الدولة، لكنهم اختاروا الصمت أو اكتشفوا بالمصادفة طبعاً، ضرورة المغادرة قبل اتخاذ قرار حساس. حضروا الجلسة وغابوا عن المسؤولية.

هذا المكان نفسه شهد رجالاً مثل كميل شمعون، عادل عسيران، ريمون إده، رياض الصلح، صبري حمادة، شارل مالك وخاتشيك بابكيان. يمكن الاختلاف معهم، لكنهم كانوا يتصرفون على الأقل كرجال دولة، لا كضيوف دائمين على مأدبة السلطة.

أما اليوم، فيبدو المجلس أصغر من تاريخه، وأسير عقلية أضيق من لبنان: شبكة تعرف كيف تحمي نفسها وكيف توزّع الأدوار وكيف تمنح كل شخص شعوراً بأنه شريك، ما دام لا يهدد المسرحية.

الجميع يريد مكاناً داخلها، لأنها قد تخدمه يوماً: حزب، كتلة، زعيم، استثناء أو مقعد في الصف الأول. أما المواطن، فلا يريدونه شريكاً في دولة، لأن الدولة الحقيقية تطلب من النائب أن يخدم المصلحة العامة، وأن يُحاسب، وأن يبقى في مقعده عندما يحين وقت الموقف.

منذ عام ١٩٩٠، رفعت الوجوه نفسها أيديها مراراً داخل المجلس، فيما كان نحو مليون ونصف لبناني يرفعون حقائبهم ويغادرون الوطن. تغيّرت الحكومات والشعارات والتحالفات، لكن الحدّ الأدنى من الدولة بقي مؤجّلاً، وكأن الزمن يتحرك خارج هذه القاعة فقط.

خرجت من المجلس ولم أعد أسأل لماذا لا تتقدم الدولة. ما رأيته لم يكن غياباً للدولة فقط، بل حضوراً كاملاً لمنظومة ترتدي ثيابها، وتستخدم قاعاتها ومصطلحاتها، وتعمل قبل كل شيء على حماية نفسها.

مجلس لا يتيح لضيفه كوب ماء، ولا يستطيع إبقاء شاشة عرض الأصوات عاملة، ولا يبدو محتاجاً إلى عدّ الأيدي قبل إعلان النتيجة، لا يحق له أن يطلب من اللبنانيين مزيداً من الثقة. فهو بصورته الحالية، لم يعد بيتاً للتشريع بقدر ما أصبح مسرحاً يُدفن فيه مستقبلهم بنداً بعد بند، فيما يدفع الجمهور ثمن العرض من عمره ومدخراته وكرامته.

حان الوقت للبحث عن منصة جديدة، أو استعادة هذه المنصة بمعناها الشرعي ودورها المحترم؛ منصة لا يكون فيها المواطن متفرجاً، ولا الوطن ضحية، ولا العبث فولكلوراً يحكم الجلسة.