انتهت مرحلة النظام السوري بعد أكثر من أسبوع على سقوطه، وهروب رئيسه بشار الأسد، لتفتح سوريا مشهداً سياسياً غير مألوف نتيجة تحكّم «حزب البعث العربي الإشتراكي» لأكثر من خمسة عقود بمفاصل السلطة.ومع طيّ صفحة النظام، ظهر وجه جديد للسلطة السورية في دمشق مثير للجدل يُقدّم نفسه باسمه المدني أحمد الشرع، بعدما كان طوال السنوات الماضية يُعرّف عنه باسمه الجهادي «أبو محمد الجولاني» الذي أدّى إلى وضعه على لوائح الإرهاب وعلى رأسه مكافأة قدرها 10 ملايين دولار.الشرع كما بات يُعرّف عنه في الإعلام، أثار الجدل في أيام السلم الأخيرة كما أثارها في سنين الحرب، فخروجه الأقرب إلى نموذج إسلاميي تركيا، وابتعاده في تصريحاته عن مستقبل الحكم وتحكيم الشريعة، قسم المراقبين إلى جزأين، أوّل يعتبر أنه يُمارس أعلى درجات التقية للوصول إلى التمكين، وثان يعتقد بأن قائد «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً)، أجرى قراءة سياسية لمشواره الجهادي والأوضاع السورية بشكل عام، ليس في ظلّ حكم «البعث» بل حتى في السنوات الأولى التي تلت نيل البلاد استقلالها، ووجد أن الحكم في سوريا مُعقّد نتيجة التعددية الموجودة، أوّلاً ضمن الأكثرية السنية نفسها وثانياً من خلال الأقليات الموجودة في البلاد، لذلك المطلوب البراغماتية عوضاً عن الدوغماتية، والمرونة بدلاً من التشدّد.وفي قراءة المشهد السوري الحالي، يتبيّن أن الوضع شديد التعقيد وعلى الشرع بصفته الوجه الجديد لسوريا الانتقالية السير بين الألغام وأي خطوة ناقصة قد تساهم في تفجير الأوضاع، فتحكّم «البعث» بالسلطة المطلقة وممارساته الإقصائية ستفتح شهية الكثيرين مِمَّن غابوا أو غيّبوا على محاولة الحصول على مكاسب في جنة دمشق الجديدة.سقوط الأسد جعل أبواب السلطة مشرّعة أمام المعارضة لتسلّم الحكم، فالأطراف المحلّية المعادية للرئيس الهارب ليست فقط «تحرير الشام»، وهذا ما سيصعب مهمّة الشرع في الفترة المقبلة لوضع الأمور في نصابها، وحصلت أوّل «دعسة ناقصة» بعد قرار نقل حكومة إدلب بقيادة محمد البشير إلى دمشق بصفة حكومة انتقالية موَقتة، من دون أن تُطعّم بشخصيات تنتمي إلى الأقليات في سوريا، كالمسيحيين والدروز والكرد والعلويين.حكومة البشير ليست مشكلة الشرع الوحيدة، علماً أن العمل جار، بحسب المعلومات، لطمأنة الأقليات والقول إنها حكومة لثلاثة أشهر فقط، ولكن الأخطر سيكون الدستور الجديد وكيفية الحكم وتوزيع السلطة، فالأطراف المعارضة كثيرة، ولهذا زار رئيس الاستخبارات التركي إبراهيم كالين دمشق لتقديم المشورة والدعم، فأنقرة تعدّ من أكثر الدول دعماً للمعارضة ولا تريد تكرار النموذج الليبي على حدودها.في استعراض لأكثر المطبّات التي ستواجه الشرع في طريق بناء سوريا الحديثة كما يردّد، إضافة إلى التقدّم الإسرائيلي في الجنوب، يبرز «الإئتلاف الوطني السوري» الذي تعاطت معه الدول كممثل شرعي للمعارضة، وأيضاً «هيئة التفاوض». الطرفان لا يُريدان الخروج من المولد بلا حمص والبقاء في صفوف المعارضة مدى الحياة. لذلك، أشادا بمقرّرات اجتماع العقبة بوصفها خارطة طريق للعملية الانتقالية في الوقت الذي اعتبر فيه مقرّبون أو مؤيّدون للجولاني أن المقرّرات قد تنتهي بوضع سوريا تحت الوصاية وهذا مرفوض، ولم تخفِ شخصيات في الإئتلاف مطالبتها بأن يكون الشرع جزءاً من الحلّ لا الحلّ بكامله.التحدّي الآخر أمام الشرع، يتمثل في توحيد الفصائل العسكرية تحت لواء الجيش الجديد، وتفوق قوة هذه الفصائل قوة «تحرير الشام» بأشواط، فهناك «غرفة عمليات الجنوب» التي يُشكّل «الفيلق الخامس» بقيادة أحمد العودة أبرز أعمدتها، وهي من سيطر على درعا ودمشق، وهناك «الجيش الوطني» في الشمال الذي كان يعمل بإمرة الحكومة الموَقتة، وفوق هذا كلّه تأتي «قوات سوريا الديمقراطية» في الشمال الشرقي والتي تسيطر على أكثر من 25 في المئة من الأراضي السورية، وتمتلك ترسانة عسكرية حديثة وتحظى بغطاء غربي وأميركي.وتكمن مصاعب أيضاً مع الرفاق الحاليين والسابقين للشرع، الذين وقفوا إلى جانبه منذ بداية الثورة، وقسم منهم انضمّ بعد سنوات قليلة. هؤلاء ربما كانوا قد أغفلوا إعادة قراءة المشهد بالطريقة التي فعلها الشرع وما زالوا يتمسّكون بأدبيات «النصرة»، ولائحة أسمائهم تطول أنصاراً ومهاجرين، من عبدالله المحيسني وأبو الفتح الفرغلي، وعبد الرحيم عطون، وعبد الرزاق المهدي، وجمال زينية، ورفاق أبو ماريا القحطاني، و»الحزب الإسلامي التركستاني» وكثر آخرين.إذاً، لا يُحسد الشرع على إدارة المرحلة الانتقالية بفعل تعقيداتها وتوزع القوى على الأراضي السورية واختلاف أيديولوجياتها. فهل يكون بصدد تنفيذ «انقلاب ثالث» على من يعتقد أنه سيقف عقبة في طريق مشروعه، بعد انقلاب أوّل كان على أبو بكر البغدادي وأدّى إلى فوضى ودماء من الشرق السوري إلى غربه، وثان هادئ جرى بصمت على «القاعدة» وزعيمها أيمن الظواهري؟