كوليت مرشليان

راسم جداريات مطرانية الكاثوليك في بيروت

جيروم فرح: إيماني أرشدني إلى فنّ الأيقونة

5 دقائق للقراءة
جيروم في "ورشة" كنيسة مطرانيّة الروم الكاثوليك ببيروت

"لأنّ الأيقونة ليست رسماً جامداً بل هي نور من نور"، يعتبر الرسَّام والمهندس الشاب جيروم فرح، أنه درس الهندسة المعماريَّة وفنّ الرسم متنقِّلاً من معهد إلى أستاذ متخصص، لكنّه حين اختار الخوض في كتابة (رسم) الأيقونة كان الخيار روحياً ونفسياً، قبل أن يتقن خصائص هذا الفن. يعمل حالياً على تنفيذ جداريّات كنيسة مطرانيّة الروم الكاثوليك في بيروت، في مشروع ضخم وتجربة مميزة يوشك على إنهائها. عن هذه التجربة، وعن البدايات والطموح، تحدّثت "نداء الوطن" في "زمن الميلاد" مع الفنان الشاب.



"أحببت الرسم منذ صغري وكانت الشكاوى تصل إلى أهلي عن عدم مشاركتي في الصف إذ كنت أرسم طوال الوقت"، هكذا بدأت قصّة جيروم، الفتى الموهوب، الذي لحسن حظه تفهّم والداه الموضوع وأدخلاه إلى معهد رسم أرمني في منطقة مزهر في المتن، حين كان بعد في العاشرة من عمره. بعد ثلاث سنوات، تابع تعلّم فنّ الرسم لدى الأستاذ بسام محفوظ، وكان يحظى طوال الوقت بدعم ذويه ومتابعتهم. ويتابع "في العشرين اخترت فنّ كتابة الأيقونة وبدأت البحث حول الموضوع، ثم سافرت إلى إيطاليا حيث تابعت دورات قصيرة في الرسم الديني اللاتيني والبيزنطي معاً".


مهارة يدويّة ومشاعر دينيّة

ليست المهارة اليدويّة وحدها، هي التي أرشدته إلى الأيقونة، إنما أيضاً إيمانه والمشاعر الدينيّة القوية التي سكنته وكانت السبيل إلى قراره هذا، على ما يقول فرح في حديثه إلينا. ويشرح أنّ "الأيقونة نكتبها، لأنه يُقال عنها إنها صورة مكتوبة. في الأساس كانت الأيقونة قديماً موجّهة إلى المؤمنين الذين لا يتقنون القراءة، فهي تجسّد حدثاً ما في الإنجيل، كالميلاد مثلاً، حيث نجد فيها كلّ الإشارات التي تدلّ على ولادة المسيح: الملائكة، النجم في السماء، الرعاة والمجوس، التوقيت، المكان...". الأيقونة مليئة بالرموز وينبغي تنفيذها على أسس لا يمكن أن نتخطاها. ويوضح أنّ اللونيْن الأزرق أو الأخضر مثلاً، يرمزان إلى الطبيعة البشرية، والأحمر للملكوت والذهبي للمجد... وفي الأشكال والوجوه، الجبين العريض أو العيون الواسعة أو الفم الصغير، كلّها تفاصيل لها دلالاتها.


والأيقونة تُنفّذ دائماً على خشبة، لأنّ الخشبة ترمز إلى الصليب. توضع فوقها قماشة ترمز إلى كفن المسيح، ثم تخضع إلى سبع طبقات من المعجون لتصبح مؤهلة للرسم عليها، ويُحفر فيها لتذكُّر جروحات المسيح. وإذا احتاجت الأيقونة للترميم يوماً، فالألوان الأصليّة تبقى في الحفر.



نقل وأسلوب

ونسأل جيروم فرح عن إمكان رسم أيقونات جديدة وما يتطلّبه تحقيق ذلك، فيجيب "في العادة ننقل القديم، ولكن يمكن لرسّام أن يقترح أيقونة جديدة. إنما بعد تنفيذ مخطّط لها، ينبغي عرضه على متخصّصين لاهوتيين للتأكد من تطابق الرسم مع الرموز والتقنيات الخاصة بها. أنا حالياً ما زلت في مرحلة النقل، لكن حتى في النقل هناك أسلوب خاص لكل فنان إذ يضيف لمسته الخاصة في الألوان وتعبير الوجوه".


توصف الأيقونة بكونها "نافذة مفتوحة على الأبديّة"، والمعروف قديماً أنّ كاتبها كان يشرك الرسم بالصلاة. عن هذا الجانب، يوضح الرسّام الشاب أنّ "الأيقونة كانت قديماً من أعمال الرهبان الذين كانوا يرفقون العمل بالصلاة، ثم على مرّ العصور انتقلت المهنة إلى الراهبات أيضاً، ولاحقاً إلى المدنيين من رجال ونساء بالتدرّج. في تجربتي الشخصيّة، أتوجّه دائماً بصلاتي وعلى طريقتي، حيث أطلب من اللّه أن يوفّقني بعملي حين أبدأ بكتابة أيقونة جديدة، ومن دون شك أعيش التجربة بروحانيّة معيّنة".



لكلّ أيقونة قصة وتاريخ

وعن تعتيق اللوحة، يقول فرح إنه لا يحبّ تعتيق الأيقونات لسببين، "أولاً أحبّ أن تحافظ اللوحة على لونها الحقيقي وأن تعيش تجربتها وتتعتّق مع الزمن. فلكلّ أيقونة قصة وتاريخ. وعندما نرى أيقونة قديمة نشعر أنّ ملامح الوجوه والألوان قد تبدّلت وهذا جميل جداً، لأنّ ما جرى حصل بفعل طبيعي. أمّا حين نعتّق أيقونة جديدة فهذا نوع من أنواع التزوير".



ونسأل فنّاننا الشاب عن مدى تأثرّ الأيقونة بالفن الغربي، وإن كانت أيقونات اليوم تختلف عن القديمة منها، فيخبرنا أنّ "هناك أكثر من مدرسة والبعض تأثر بالتأكيد بالرسم الديني الغربي. فالمدرسة الروسيّة مثلاً تعطي جماليات أكثر للأيقونة وخاصةً في الوجوه القريبة أكثر من الواقع، وأنا مع هذه المدرسة، مع الحفاظ على التقنيات. وهناك مدارس أخرى رسمت الوجوه بألوان داكنة وملامح قاسية وحدَّة، وهي لها جمالياتها ورموزها الخاصة.



ونختم حوارنا مع جيروم فرح بسؤاله عن إمكان نقل تجربته إلى الآخرين عن طريق محترَف خاص، فيوضح أنّ "منذ سنة تقريباً تحمّستُ لفكرة المحترف لنقل خبرتي إلى آخرين، وبالفعل بدأت مع تلميذ واحد وكانت التجربة مثمرة. حالياً لديّ محترفي الخاص في مبنى مدرسة تابعة لكنيسة مار مارون في منطقة الدَّورة، وفيه مجموعة طلاب، وأنا على تواصل دائم مع الجدد عبر حسابي على "إنستغرام".

(@jeromefarah_art)"



جداريات المطرانيّة


يشرح كاتب الأيقونات جيروم فرح لـ "نداء الوطن" عمله على جداريّات كنيسة مطرانية بيروت للروم الملكيّين الكاثوليك، فيقول إنه بدأ العمل عليها في أيار الماضي، "وكنت قبلها أرسم أيقونات خاصة وُضعت في بعض الكنائس وتركت انطباعات جيّدة. في البداية، طلبوا مني تنفيذ جداريّة عالية في المطرانية، ترتفع 4 أمتار وبعرض 14 متراً. وحين أنهيتها أحبّوا العمل، فكان أن أكملت كلّ جوانب الكنيسة. وثمّة زوايا وجدرانيّات علينا الالتزام بها وبموضوعاتها، إلى جانب أمكنة أخرى يمكن للرسّام أن يقترح أفكاراً حولها، وهذا ما حصل. كنت أقدّم اقتراحات وندرسها معاً ويتم التوافق عليها".





جيروم فرح متحدّثاً إلى "نداء الوطن"



أيقونة والدة الإله حاملةً المسيح الطفل



يضع لمساته الأخيرة على أيقونة القديس شربل



رسوم فرح في هيكل الكنيسة



"العشاء السرّي" و "الكاهن الأعظم"