يقول ابن عربي، أحد أبرز أعلام التصوف الإسلامي وصاحب إرث فلسفي ومعرفي ضخم يحظى بالكثير من التبجيل، في كتابه "فصوص الحكم": "الطريق إلى الحقيقة تتعدّد بتعدّد السالكين". والحال أن مقولة ابن عربي الملقب بـ "الشيخ الأكبر" والمدفون في مسجد وحيّ يحملان اسمه في "الصالحية" في دمشق، هي التوصيف الأدق للواقع السوري، في راهنيته، كما في الظروف التي قادت إليه منذ بدء الثورة ربيع عام 2011. فالحقيقة هي نسبية، وتختلف مقاديرها باختلاف الساعين إليها وطرائقهم.
قبل بزوغ فجر 27 تشرين الثاني، كانت كلّ الظروف والعوامل تصب في مصلحة نظام "الأسد إلى الأبد". شعب يائس ومحبط، شطر كبير منه منتشر في المهاجر والمنافي، نخباً وعواماً. في 8 كانون الأول، انقلب الحال رأساً على عقب، ورحل "الأسد إلى الأبد"، وراحت تتزاحم سحائب القلق من عملية تكوين السلطة الجديدة، وسط هواجس مبرّرة من صرامة أيديولوجيا "هيئة تحرير الشام"، ممزوجة بسيل منظم من الشائعات حول عمليات انتقامية مذهبية يقف خلفها محور إيران "المهزوم"، وتنوّع الآراء والأفكار التي بدأت النخب تسكبها وترى فيها عين الإنصاف لبلاد حبيسة القهر منذ أكثر من 5 عقود. ناهيكم عن الارتباك في كيفية التعامل مع النخب والشرائح الاجماعية التي بقيت تحت كنف النظام، ولا سيما مشاهير الفن الذين يتعرّضون لمحاكمة أخلاقية.
بيد أن كلّ ما سبق يعد منطقياً في بلد يشهد تحولاً تاريخياً وجذرياً، ومولداً لديناميات يُمكنها أن تثري المشهد على الصعد السياسية والفكرية والثقافية، بما فيها العوامل التي كان ينظر إليها سلباً، ذلك أنه عندما يسقط النظام في البلاد التي تحكم بـ "الحديد والنار"، خصوصاً في الدول العربية، يظهر عادة خواء نخبوي - سياسي، يجعل البديل محصوراً في العسكر أو الجماعات الإسلامية ذات التأطير الأيديولوجي المحكم.
وهو ما كان ينطبق على سوريا، حيث تسيّد الأسد المشهد، الأب ثمّ الإبن، مع ثلة منقاة الضباط، مقابل تهميش النخب، بما في ذلك رؤساء الحكومات والوزراء، الذين يندر أن نجد من يذكر اسم واحد منهم.
إلّا أن المخاض العسير الذي سلكته الثورة السورية، أسّس لظهور نخب من مشارب ومنابت فكرية ودينية متنوّعة، تمرّست في العمل السياسي والدبلوماسي خلال السنوات العجاف. ورغم كلّ السلبيات التي ظهرت في تجارب التكتلات السياسية السورية، بمسمياتها المختلفة، والانتقادات التي تعرّضت لها، إلّا أنها في العمق تعبّر عن دينامية سياسية، وتجارب تسهم في إنضاج العمل الجماعي ضمن تيارات وأحزاب في قادم الأيام. يُضاف إليها تجارب الهجرة المريرة، والتي أفضت إلى ظهور عدد كبير من النخب والباحثين والشخصيات التي نهلت من قيم الثقافة الغربية وإرثها الديمقراطي، وتخلّصت من تأثيرات العيش تحت ظلال حكم قمعي، وينتظر أن يترجم هذا التحوّل القيمي في مقاربات سياسية وفكرية واجتماعية واقتصادية داخل سوريا.
إلى ذلك، فإن النظرة إلى "هيئة تحرير الشام" تتسم إجمالاً بالاختزال، وتجاهل التحوّلات التي مرّت بها مناطق ما كان يُعرف بـ "الجيب المعارض" خلال السنوات الماضية، بكل ما فيها من قسوة، حيث كانت هناك حكومتان "الإنقاذ" و"الموَقتة"، الأولى تابعة للهيئة فيما الثانية للجيش الوطني، وكلتاهما متحالفتان بشكل أو بآخر مع أنقرة، ومن خلفها قطر. وهذا التحالف المزدوج مكّنهما من الصمود، وتحويل الكثير من السلبيات، وفي طليعتها عسكرة المجتمع، إلى إيجابيات، حيث شهدت مناطق المعارضة، التي كانت تعاني من تهميش مزمن، مشاريع تنموية لا بأس بها، والأهم منها العمل على تركيز ثقافة الدولة عبر المؤسّسات. ويرجع الفضل في ذلك بالدرجة الأولى إلى أنقرة التي تشتهر بالعمل الدولتي المنظّم، بمعزل عن الموقف من توجّهات السياسات الخارجية لتركيا، وإلى الدعم المادي القطري.
وفي الإطار نفسه، فإن التركيز المفرط على عمليات التصفية المتبادلة بين قوى المعارضة من أجل توحيد البندقية، يحجب الضوء عن حصول تظاهرات شعبية ضدّ حكم أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، وكذلك ضدّ تركيا، تخلّلتها انتقادات عنيفة طالت رئيسها رجب طيب أردوغان بسبب مبادرته التصالحية مع بشار الأسد، في مشهدية تعكس مدى تمسّك الشعب السوري بعدم التساهل مستقبلاً مع أي نظام حكم ينحو نحو الاستبداد.
وبالتالي، فإن القلق من إقامة حكم إسلامي صارم وإقصائي يبدو مبالغاً فيه، وإن كان مبرّراً، ذلك أن أي حكم من هذا القبيل سيؤدّي إلى إنتاج معارضة قوية ومتنوّعة لا يُمكن الاستخفاف بقدراتها، بالنظر إلى العوامل المذكورة، والتي يُضاف إليها تجارب الكرد في حكم 25 في المئة من الجغرافيا السورية لعقد ونيّف، وأيضاً تجربة السويداء وما أظهرته من حيوية مجتمعية وأجسام أهلية وسياسية.
ولا يمكن إغفال ما تتميّز به سوريا على صعيد الثقافة والأدب وصناعة الفن، خصوصاً الدراما، التي سيمنحها مناخ الحرّيات فرصة هائلة للإبداع وكسر التابوهات، وتشكيل رقابة ناعمة، إنما شديدة الفعالية والتأثير، على نسق تركيا التي دعمت حكومتها ذات التوجّه الإسلامي صناعة الدراما، لتوظيفها كأداة غزو ثقافي ناعم، ما أتاح المجال لظهور أعمال نقدية مؤثرة ضدّ سياساتها.
وبالإجمال، فإن النقاش الدائر حول شكل نظام الحكم، بما فيها الفدرالي أو الكونفدرالي، يعد مؤشراً حيوياً إلى هذه الديناميات، وإن كانت لا تزال في بداياتها. لكن ما يُثير القلق حقاً هو حصول موجات تفجيرات وأحداث غامضة، مثل حريق استاد حلب، بما يدخل البلاد في حالة يصعب توقع مآلاتها في ظل كثرة الفاعلين والمستفيدين.