مع سقوط نظام الأسد في سوريا، وانكشاف وسائل التعذيب المرعبة في سجونه، عاد إلى الضوء وثائقي حقّقه الصحافي ومخرج الوثائقيات الفرنسي فيليب تورانشو عام 2018، تحت عنوان "ألويس برونر، جزار درانسي"، ونُشر الفيديو التاريخي بالإنكليزيّة على منصّة يوتيوب منذ أيام، ومن خلال ما ورد فيه عن هذا النازي الهارب من العقاب، لا تغيب عن بال المشاهد فكرة الارتباط الوثيق بين الأنظمة القمعية عبر التاريخ باستخدام التعذيب كأداة للسيطرة، وبث الرعب في النفوس. وأنه حين تمتزج خبرات أحد أسوأ مجرمي الحرب النازيين مع آلة القمع الحديثة، تتولد ممارسات تقشعر لها الأبدان وتصبح رمزاً لبشاعة غير مسبوقة.
في السجون السورية، حيث تماهت غرف التحقيق مع أقبية الرعب، يظهر أثر هذا التحالف القاتم بين إرث النازية ومنهجية القمع. ألويس برونر (Alois Brunner)، اليد اليمنى لأدولف أيخمان المسؤول عن ترحيل الآلاف إلى معسكرات الموت، وجد في سوريا ملاذاً آمناً بعد أعوام من انتهاء الحرب العالمية الثانية. لجأ إليها بعد أن بدأ تصيّد النازيين عام 1953، لم يكن وجوده مجرّد اختيار، بل كان تعاوناً منظَّماً استثمر فيه "النظام السوري" في وقت لاحق خبراته الدموية لتطوير أجهزته الأمنية. تُسلّط هذه الحقبة المظلمة الضوء على أوجه جديدة للتعذيب، حيث امتزجت الأيديولوجيا النازية بأدوات القمع الحديث، ما أدى إلى معاناة لا توصف وآلاف الأرواح التي قضت في صمت.
قصّة "جزار درانسي" مع النازية
يروي الوثائقي أنّ الألماني النازي ألويس برونر أحد أبرز مساعدي أدولف أيخمان، العقل المدبر لـ "الحل النهائي". خلال الحرب العالمية الثانية، لعب دوراً أساسياً في ترحيل أكثر من 130,000 يهودي أوروبي إلى معسكرات الإبادة. في فرنسا، أدار "معسكر درانسي" بين عامي 1943 و1944، الذي شكّل نقطة انطلاق لترحيل اليهود إلى "معسكر أوشفيتز".
يرسم الوثائقي "ألويس برونر، جزار درانسي"، صورة دقيقة لهذا الرجل الذي لم يبدِ أيّ ندم على جرائمه، بل ظل مدفوعاً بكراهية عميقة لليهود. بالاعتماد على أرشيفات حصرية وشهادات مؤلمة من الناجين، يقدم الفيلم تحليلات دقيقة من مؤرخين وصائدي النازيين مثل سيرج كلارسفيلد، كاشفاً حجم الفظائع التي ارتكبها برونر.
الهروب إلى سوريا
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد أن عاش سنوات كرجل بلا ماضٍ في ألمانيا، تمكّن برونر من الإفلات من العدالة بفضل شبكات تهريب نازية منظمة. هرب إلى سوريا في ظل الفوضى التي أعقبت الحرب، حيث وجد حماية من النظام السوري. وفي ستّينات القرن الماضي تعرّف إلى حافظ الأسد وكان يومها وزيراً للدفاع، استغلّ النظام الجيوسياسي السوري خبراته في القمع والتعذيب، وفي طريقة تنظيم المخابرات.
يُظهر الوثائقي كيف ساهم برونر، في ما بعد، في تدريب أجهزة الأمن السورية، وقدّم استشارات حول أساليب التحقيق والقمع التي كانت تعكس وحشية النازية. ورغم محاولات الموساد الإسرائيلي اغتياله مرتين بطردين بريديين مفخخين في عامَيْ 1961 و1980، نجا برونر مع إصابات أفقدته إحدى عينيه في المحاولة الأولى وعدة أصابع في المحاولة الثانية، ليعيش في دمشق حتى وفاته المفترضة عام 2001.
علاقته بالنظام السوري
كانت العلاقة بين برونر و "نظام حافظ الأسد" تعكس مزيجاً من المصالح المشتركة. "النظام السوري"، الساعي إلى تعزيز قدراته القمعية، وجد في برونر مستشاراً خبيراً، بينما وجد برونر في "النظام السوري" ملاذاً آمناً.
رفضت السلطات السورية مراراً تسليم برونر، على الرغم من الطلبات الرسمية من فرنسا وإسرائيل. عاش برونر بهوية مزيّفة في شقة متواضعة بدمشق باسم جورج فيشر، حيث وفّر له "النظام" الحماية مقابل خدماته الأمنية والاستخباراتية.
ويتناول الوثائقي نكران الرئيس حافظ الأسد أكثر من مرّة معرفته ببرونر، وتأكيده أنه ليس في سوريا، أكد ذلك الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك عند سؤاله عن النازي خلال زيارته لسوريا في التسعينات، وكرر نكرانه بمعرفة برونر في مقابلة تلفزيونية مع مذيع الأخبار الفرنسي الشهير باتريك بوافر دارفور، ضحك الأسد قائلاً أن لا شيء مخفياً في سوريا، وهو أجنبي ولو كان هنا لكنت علمت به.
وبعد أن كثرت الاسئلة العلنيّة للرئيس الأب عن برونر، قام بوضع الأخير في إقامة جبرية بادئ الأمر، ثم في غرفة تحت الأرض لا يرى فيها النور، وجلس في الظلام وكاد يفقد صوابه كما نُقل عن حراسه، وبعد وفاة حافظ الأسد ساءت حالته أكثر فأكثر حتى مات، كما يشير الوثائقي بحالة مزرية في عام 2001.
يُستنتج من هذا الوثائقي، أنه عندما يتحالف الماضي الأكثر ظلاماً مع حاضر يفتقر إلى الإنسانية، تتحول السجون إلى مقابر للأحياء. إن قصة ألويس برونر في سوريا ليست مجرّد صفحة من التاريخ، بل هي جرس إنذار للمستقبل، تذكّرنا بأن التعذيب ليس مجرّد أداة قمع، بل جريمة ضد الكرامة البشرية. إنها دعوة للوقوف بوجه كلّ من يبرّر استخدام العنف لتحقيق السيطرة، ولكشف أوجه التعاون القذر التي تُمكّن أنظمة الاستبداد من الإستمرار. تظلّ أصوات الضحايا التي خُنقت خلف القضبان شاهدة على هذا التحالف المروّع بين النازية والقمع الأسدي، وتدفعنا للتساؤل: كم من ألويس برونر آخر يعيش تحت الحماية، وكم من نظام آخر يزرع الرعب ليحصد الولاء؟