اقتربت جلسة 9 كانون الثاني التي يعوّل عليها اللّبنانيون لرؤية جناح الرئيس في قصر بعبدا ممتلئاً بعد أكثر من سنتين على الشّغور.
في السّياق، تتداخل في الكواليس السياسية المحيطة بانتخاب رئيس الجمهورية، مسألة تسمية رئيس الحكومة المقبل. ومع كل التّطورات المتسارعة في المنطقة، يتساءل البعض عن إمكانية تغيّر ملامح الحكّام في لبنان. وبعيداً من اسم رئيس الجمهورية المقبل، أصبح من المرجح أن فخامته لن يكون من حماة ظهر المقاومة، كما أنه لن يكون منحازاً إلى أي حزب، بل سيكون من أولوياته إعادة إنهاض لبنان وتطبيق القوانين الدولية.
ومع سقوط نظام الأسد وبعدما أصبح أحمد الشرع القائد المتحدث باسم سوريا الجديدة، ومع ما يحمله من خلفية الانتماء إلى جماعات إسلامية، يتساءل البعض عن إمكانية أن تجرف هذه الموجة الإسلاميين إلى السّلطة في لبنان، وخصوصاً رئاسة الحكومة.
الباحث والمحلّل السياسي ربيع دندشلي يعتبر أن هذا الأمر مستبعد لا سيما أن الشرع عاد بوجه مغاير تماماً لذاك الذي عرفناه به في زمن داعش والنصرة، إذ أنه لوحظ أن الشرع يحيد في سياسته الجديدة عن الخطاب الإسلامي أو الراديكالي وغير الوطني. كما أنّ الصيغة اللّبنانية، القائمة على التنوّع الطّائفي، لا يمكن أن تأتي برئيس حكومة ينتمي إلى تيّار ديني. وبالغوص في الأسماء تربع اسم الرئيس تمام سلام قائمة رؤساء الحكومة المحتملين، إذ أنه من المعلوم عنه أنه "رجل المراحل الصعبة"، إلا أن الرجل الذي صبر على أزمات كبرى في فترة ترؤسه الحكومة استبعد نفسه يوم أمس الجمعة. ففي بيان أصدره تمنى سلام "من كلّ الغيورين والمحبّين" إخراج اسمه من التّداول في ما يتعلّق برئاسة الحكومة، واعداً بوضع خبرته "في سبيل إنجاح مهام من سيتولّى رئاسة الحكومة في المرحلة المقبلة".
أما في ما يتعلق بالرئيس السابق فؤاد السنيورة، فيدور في الصالات السياسية أنه أيضاً تعب من "خبصة" السّياسة في لبنان.
في الإطار، يرى المحلل السياسي ورئيس مركز عكار للدراسات والتطوير عبد الرحمن آل الشيخ أن "الأعين تتّجه نحو ميقاتي في هذه الفترة الإنتقالية، إلا أنه لا يستبعد أن يأتي الرئيس السابق سعد الحريري رئيساً للحكومة لاحقاً "على بساط نظيف". وبما أن المملكة العربية السعودية هي قبلة السنّة، وفقاً لـ آل الشيخ, إن عودة الرئيس سعد الحريري تتعلق برضا الأمير محمد بن سلمانإ إذ يجب عليه أن يقوم بتقديم ضمانات إلى السعودية تتمثّل بالتقرب إلى الأحزاب المعارضة لـ"حزب الله" كحزبي الكتائب والقوات اللبنانية، بالإضافة إلى الإهتمام بالشارع السّنّي بمن فيهم الجماعات الإسلامية الذين يشعرون بالظلم.
باختصار، وعلى الرغم من المحبّة الكبيرة التي يكنّها الشارع السنّي للحريري الإبن، والمستمدة من محبتهم لوالده، فإنه إن عاد سيبقى قيد المراقبة لتنفيذ أجندة معينة. وبحسب آل الشيخ، قد يؤثر انتهاء نظام الأسد وسقوط فائض القوّة الذي كان يتذرّع به "حزب الله" لفرض سيطرته على لبنان، على إمكانية عودة سعد الحريري إلى الحياة السياسية, إذ لا إمكانية ليقول بعد الآن "ما خلّوني".
وفيما يرجح كثيرون بقاء ميقاتي على كرسي السراي في هذه المرحلة الدقيقة، شرح آل الشيخ الأسباب التي تجعله الأوفر حظاً. فأولًا، أحسن ميقاتي التصرف في الحرب، ولم يكن "باش كاتب" للرئيس نبيه بري كما قيل عنه.
ثانياً، أثبت ميقاتي أن سيادة لبنان تأتي أولاً في الفترة الأخيرة، إذ لفت موقفه من إيران أنظار العرب. حيث توجه للرئيس الإيراني مسعود بزكشيان قائلًا: "أطلب من القيادات الإيرانية أن تخفّف العاطفة تجاه لبنان". ثالثاً، اللقاء بين ميقاتي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان علامة إضافية له، أظهر أن الأخير راضٍ عن ميقاتي. وعن العلاقة التي تربط ميقاتي بـ"حزب الله"، فهي نقلًا عن آل الشيخ، قائمة على مبدأ "العصا والجزرة" أي التّفاهم وهذا ما يجعله مقبولًا بالنسبة لهذا الفريق أيضاً.
أما عن مواصفات رئيس الحكومة المقبل يقول الشيخ إنه يجب أن يكون منفتحاً على كل كل الأطراف اللبنانية، عادلاً، قويّاً، قادراً على فرض تطبيق القانون, مقتنعاً بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بحذافيره وداعماً للجيش بالدرجة الأولى. كما أنه يجب أن يكون قادراً على تحسين العلاقات مع الدول العربية وخاصة الخليج، إذ أن مستقبل الإزدهار بدأ ينتقل من الدول الغربية للخليج، وخاصة السعودية بسبب رؤية محمد بن سلمان.
وبغض النظر عن هوية الرئيس، الأكيد أن ملف رئاسة الحكومة ازداد حساسية بالنسبة للسنّة في لبنان بعد التغييرات الأخيرة في المنطقة. وما يأمله اللبنانيون بشكل عام هو أن يتمكّن هذا الرئيس بمساندة رئيس الجمهورية من انتشالنا من حالة الفوضى الهستيرية التي تسيطر علينا منذ سنوات.