بشار حيدر

أولويات الهواجس في سوريا

3 دقائق للقراءة

لا يختلف معارضو نظام الأسد في فرحتهم بسقوطه، لكنهم يتفاوتون في قدر التفاؤل والتشاؤم بما سيأتي، وفي مدى حذرهم من سلطة الأمر الواقع، أي "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع.


لدى المتوجّسين من القادم في سوريا هواجس عدة في أولها قضايا السلم الأهلي وبناء المجتمع والدولة. ومن ضمن ذلك هناك مسألتان أساسيتان غالباً ما يجري الخلط بينهما في ما ينبغي التمييز. الأولى تتعلق بالمسائل الاجتماعية كحقوق النساء والقبول بأنماط عيش مختلفة للأفراد والجماعات.


ويجدر القول هنا إن سلوك نظام الأسد بشأن تلك الحقوق لم يكن كارثياً. أما المسألة الثانية فتتعلق بمسائل الديمقراطية وحرية العمل والتنظيم السياسي وتحديداً المعارض منه للسلطة، والذي لم يسمح به نظام الأسد بأي شكل، وذلك تحت طائلة الاعتقال، والتعذيب، والقتل، والتهجير.


لذا، إن كان هناك درس يجب تعلمه من تجربة النظام السوري البائد فهو أن مسألة الحريات السياسية يجب أن تكون الهم الأول بدون منازع. فالأساس هو الحق السياسي في معارضة سلوك وقرارات السلطات التنفيذية والتشريعية بشكل علني وبدون أية عواقب تذكر، مع الإدراك أن ضمان الحريات السياسية هذه لا يضمن تحقيق العدالة في المسائل الاجتماعية.


فمن غير المستبعد أبداً أن يصوّت في المستقبل برلمان سوري، منتخب بشكل حر، لصالح قوانين تنتقص من حقوق النساء في قضايا الطلاق والميراث، على سبيل المثال. لكنْ إن حصل هذا، يبقى المهم أن يكون المجال متاحاً للمعترضين على هذه القوانين لطرح رأيهم وحشد التأييد له بهدف تغيير تلك القوانين المجحفة بحق النساء عبر الطرق الديمقراطية. فالأهم إذاً هو ضمان حق ممارسة الاعتراض في الحيز العام وعدم القبول باحتكار السلطة لذلك الحيز، مهما كانت طبيعة أجندتها الاجتماعية. فالأولوية والهاجس الأساس يجب أن يذهبا إلى عدم القبول بأية ممارسة تشي برغبة السلطة في الاستئثار بالفعل السياسي في الحيز العام والإقصاء القسري لخصومها منه.


لقد تم في الماضي، وما زال، التسويق لفكرة مقايضة الحقوق الديمقراطية بالحقوق الاجتماعية. لكنها فكرة سيئة، وسوريا مثال صارخ على ذلك.


لا شك أن الوضع الأمثل هو الاستمتاع بكل هذه الحقوق معاً. لكن إن تعذر ذلك، بسبب ميول المجتمع الذكورية والدينية المحافظة، وجُب ان تعطى الأولوية للحقوق السياسية الديمقراطية المتمثلة أساساً في الحق بتشكيل الأحزاب والجمعيات المعارضة للسلطة وتمتعها بالقدر الكافي من إمكانية التعبير عن نفسها ومحاولة حشد تأييد المجتمع لها.


ومن المهم أيضاً أن يقال إن تحقيق إنجاز حقيقي وراسخ على مستوى الحقوق الاجتماعية قد لا يتم إلا عبر إقناع المجتمع بتبني تلك الحقوق وليس إجباره على ذلك. والممارسات السياسية الديمقراطية قد تكون شرطاً ضرورياً لتحقيق هذا الأمر. ففي العقود الأخيرة أنجزت الديمقراطيات الغربية وغيرها الكثير في مجال الحقوق الاجتماعية المتعلقة بالنساء والأقليات والمثليين، وتمكنت في بعض هذه الجوانب من ترسيخ حقوق كانت تبدو بعيدة قبل زمن قريب. وقد تحققت تلك الإنجازات استناداً إلى نضال طويل وصعب، لكنه لم يكن ليُتاح ويكون مثمراً إلا في ظل رسوخ سابق عليه للقيم الديمقراطية وممارساتها في مجال العمل السياسي وحرية التعبير.



ولطالما كان التذرّع بأولوية قضايا العدالة الاجتماعية على الحقوق السياسية الديمقراطية ركناً مهماً في تبرير أنظمة الاستبداد الاشتراكي في القرن المنصرم، كما كان وما زال التذرّع بأولوية محاربة الاستعمار والاحتلال ركناً من أركان أنظمة الاستبداد في دول الجنوب العالمي. لقد حان الوقت، على الأقل في سوريا، لكسر تلك الأولويات.