هشام بو ناصيف

المشرق المشلّع: ثابتان وسط المتغيّرات

4 دقائق للقراءة

انتهت الحرب اللبنانيّة قبل 34 عاماً، ولكنّ مفاعليها مستمرّة. لا تزال الدولة اللبنانيّة ضعيفة، و "حزب اللّه" مسلّحاً، ولبنان عرضة لتدخّلات أجنبيّة بشؤونه، والعلاقة بين مكوّناته مأزومة. استناداً إلى تجربة لبنان، وإلى تجارب دول أخرى عرفت حروباً أهليّة مديدة كحربه، يمكن التقدير أنه حتّى لو أنهت التطوّرات الأخيرة العنف بسوريا، فالعقود المقبلة لن تكون سهلة فيها، والمجهول القادم إليها أكبر من المعلوم. وأساساً، هل انتهت الحرب السوريّة المسألة الكرديّة محوريّة، وكفيلة لوحدها بتمديد الشقاق الأهلي السوري إن عادت دمشق إلى سياسات التغوّل على الأكراد. ثمّ إنّ العلاقة بين المكوّنات السنيّة المسلّحة يكتنفها الغموض. هل تقبل فصائل "الجيش الوطني السوري" بسلطة وزير الدفاع الجديد مرهف أبو قصرة عليها؟ كيف ستتطوّر علاقة "هيئة تحرير الشام" مع فصائل الجنوب التي حاربت معها دون أن تكون تنظيميّاً منها؟ جلّ هذه القوى سنيّة طبعاً، ولكنّ الحروب الأهليّة غالباً ما تصحبها صراعات داخل المكوّنات، بعد انهيار الدولة على خلفيّة الصدام بين المكوّنات. ومهما صرف المراقب وقتاً بمتابعة التطوّرات السوريّة، فضلاً عن أحوال لبنان والعراق، فالأسئلة إلى الساعة أقلّه أكثر من الأجوبة.



يبقى أنّ مئة عام مرّت على تشكّل الدولة الوطنيّة بمنطقتنا. وأيّاً كان حجم التحوّلات التي نعيش، فهناك ثابتان لن يتغيّرا:


1) الأيديولوجيا الما-فوق دولتيّة أساس الشرّ بدول المشرق. تدخّل العراق الهاشمي، والأردن الهاشمي، بالدولة السوريّة الفتيّة ساهم بهشاشتها. أمّا ابتلاع ناصر لسوريا، زمن الجمهوريّة العربيّة المتّحدة، فقد مهّد الطريق لاستلام الانقلابيّين العلويّين السلطة عام 1963. لاحقاً، مدّد تدخّل حافظ الأسد الحرب الأهليّة اللبنانيّة لسنوات؛ وكان يمكن لمأساة لبنان أن تنتهي عام 1983، بعد توقيع اتّفاقيّة 17 أيّار، لولا دور الأسد الكارثي فيه. لاحقاً، أيضاً، وضعت إيران العراق تحت وصايتها، ولا تزال علاقة بغداد الذيليّة مع طهران مستمرّة إلى الساعة. الأيديولوجيا الما-فوق دولتيّة هي العامل الجامع بين كلّ هذه النكبات. باسم حلم "سوريا الكبرى"، اشترى الهاشميّون الضمائر بسوريا، وموّلوا الانقلابات، وأرسلوا العملاء والمخرّبين. اقترف ناصر ما اقترفه بحقّ سوريا، وحافظ الأسد بحقّ لبنان، باسم القوميّة العربيّة. وملالي إيران خرّبوا المنطقة على خلفيّة الطموح الديني – القومي. كي لا تتكرّر هذه المآسي، ينبغي وأد كافّة أشكال الأيديولوجيا الما-فوق دولتيّة، والدفاع عن حقّ كلّ دولة بالمشرق كمسؤول نهائي، ووحيد، عن الشعوب التي تعيش ضمن نطاقها.


2) الأيديولوجيا الانصهاريّة أساس ثانٍ للشرّ بمنطقتنا، ومسؤولة بشكل مباشر عن العلاقات المأزومة بين مكوّناتها. ينبغي على الأكثريّة العربيّة بالمشرق أن تعي أنّ سياسات التعريب التي انتهجتها أنظمة مختلفة بسوريا والعراق بحقّ المكوّن الكردي بالبلدين عار. سوريا والعراق دولتان بطبيعة قوميّة مزدوجة، عربيّة وكرديّة. أن يكون العرب أكثر من الكرد بالبلدين لا يعطيهم الحقّ بتذويب الشخصيّة الكرديّة بالشخصيّة العربيّة، باسم أيديولوجيا الانصهار و "الوحدة الوطنيّة". استطراداً، ينبغي على المسلمين أن يفهموا أنّ فلسطين، وسائر قضاياهم، هي قضاياهم هم، لا قضايا سواهم، وأنّ التذاكي عبر تحويل قضايا المسلمين إلى قضايا الجميع، أو يكون الرافضون لهذا "انعزاليّين"، و "صهاينة"، و "عملاء الغرب"، لم ينفع مرّة، ولن ينفع. بهذه المنطقة من العالم، للعرب، والكرد، والشيعة، والسنّة، والمسيحيّين، والدروز، وسواهم، هويّات خاصّة ما دون-دولتيّة ينبغي على الدولة الوطنيّة احترامها.


"بعجقة" المتغيّرات، ما سبق لن يتغيّر، لأنّه بنيوي. استطراداً، هذا ما ينبغي على الدولة الوطنيّة بمنطقتنا أن تفعل: أن ترفض استتباعها للخارج باسم الأيديولوجيا الما-فوق دولتيّة؛ وأن تحترم بالداخل الهويّات الما-دون دولتيّة. البديل عن هذا لن يكون سوى قرن جديد من الصراع.