لا تزال معالم المشهد السوري غير واضحة رغم توالي الزيارات العربية والغربية إلى العاصمة دمشق للقاء القائد العام للإدارة السورية الجديدة وزعيم "هيئة تحرير الشام" أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، فضلاً عن التصريحات التي تصدر عن الأخير وضيوفه على السواء.
ورغم ضبابية المشهد، غير أنه لا يمكن إغفال نجاح محاولات الشرع بنزع رداء الجولاني الذي رافقه طوال أعوام الحرب الماضية. الرجل بات يتكلّم بخطاب أقرب إلى رجالات الدولة، يعلم متى يناور و"يدوّر الزوايا" ويتجنب الإجابة على أسئلة قد تسبّب له إحراجاً أمام قاعدته الشعبية الأساسية، بحيث يقفز للحديث عن الصورة الكبيرة على طريقة السياسيين المخضرمين، من دون الخوض في متاهات التفاصيل.
ولأن اللعبة السياسية السورية معقدة حتى منذ ما قبل تولي "حزب البعث" الحكم، فإن الشرع نجح في العبور بين الألغام حتى الآن، معوّلاً على سلاح الوقت، فهو أعطى لنفسه وحكومة الإنقاذ التي نقلها من إدلب، هامشاً من الوقت حتى مطلع شهر آذار المقبل لكلّ من راجعه بخصوص ضرورة مشاركة جميع المكونات السورية في الحكم وصنع القرار السياسي. وفي المقابل، عمل على تدعيم حكمه عبر تعيين كبار القادة الذين كانوا معه في السنوات الأخيرة وشاركوا في المعارك التي خاضها في مناصب عليا، سواء كمحافظين أو مدراء عامين.
ولعلّ من أبرز التحديات التي ستواجه الشرع في الأيام المقبلة، تتناول ملفات خدماتية أساسية للسوريين، وعسكرية - أمنية تتعلّق بالفصائل المسلحة، وملف "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والأهمّ كتابة دستور للبلاد، وهوية الدولة الجديدة.
على الصعيد الخدماتي، وجه زعيم "هيئة تحرير الشام" وزراءه ومساعديهم لزيارة المحافظات والوقوف عند احتياجاتها، مع وعود بتحسين الخدمات التي غابت عن السوريين لسنوات، ويجري حديث في الولايات المتحدة يتعلق بإمكانية تقديم استثناءات/إعفاءات في ملف العقوبات المفروضة على سوريا، وتحديداً لقطر، كي تتمكّن من تقديم المساعدة في ملف الطاقة والكهرباء.
الوضع العسكري وحلّ الفصائل عبر دمجها بتشكيل جيش سوري جديد، يُعدّ واحداً من الملفات الشائكة، فهناك من جهة عشرات الفصائل العسكرية التي يُقارب عديد عناصر كل واحدة منها الآلاف، ورغم الاجتماعات التي عقدت وشدّدت على ضرورة البدء بمعالجة هذا الملف، وتعهد "هيئة تحرير الشام" بحلّ نفسها أوّلاً كبادرة حسن نيّة، غير أن هناك فصائل أخرى ما زالت تدرس ملف الحل بعناية قبل أن تُقدّم وعوداً حاسمة، وأبرزها "الجيش الوطني السوري" الموجود بشكل قوي في محافظة حلب، والفصائل المنضوية تحت إمرة أحمد العودة في جنوب سوريا، وفصائل أخرى ذات صبغة مناطقية.
ملف الكرد يُشكّل صداعاً لأحمد الشرع أيضاً، فـ "قسد" نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء جسم عسكري قوي نتيجة سيطرتها على مناطق الثروات في شمال شرق البلاد، ونالت غطاء غربياً وأميركياً على خلفية تمكّنها من صد تنظيم "داعش" في عز قوته وبأكثر من منطقة. وهذا الملف يُسبّب قلقاً كبيراً لحليف "الهيئة" الإقليمي، تركيا، التي تخشى قيام كيان كرديّ على حدودها.
وتشير المعلومات في هذا الصدد إلى أن الأتراك يرسمون أكثر من سيناريو لدرء هذا الخطر في حال لم تقتنع "قسد" بتسليم السلاح والاندماج في الدولة الجديدة. الأول يتعلّق بمواجهة عسكرية تقودها "هيئة تحرير الشام" بصفتها المسؤولة عن إدارة شؤون الحكم في سوريا، والثاني من خلال خرق صفوف الكرد عبر التنسيق مع قيادات كردية عراقية يجري تقديم وعود لها بتولي شخصيات كردية سورية مقرّبة منها زمام أمور الكرد في سوريا مقابل تفريغ "قسد" من الداخل وإدخالها في صراعات محلّية مع أطياف كردية أخرى.
ويبقى دستور البلاد الذي سيُحدّد هوية سوريا وشكلها، أحد أبرز الملفات التي تشدّ أنظار الدول المعنية والمهتمة بأحوال دمشق. الشرع تمكن عبر براغماتيّته التي ظهرت أخيراً من القفز فوق الأسئلة التي وجّهها إليه صحافيون ووسائل إعلام تتعلّق بحقوق المرأة، وقضايا تتعلّق بالحجاب والمشروبات الروحية، رامياً كل شيء على الدستور الذي سيُكتب والمؤتمر الوطني المزمع عقده.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى نجاح الشرع في إصابة "عصفورَين بحجر واحد"، فمِن جهة رفع عن نفسه عبء تلقيه الانتقادات، سواء من الأطياف المدنية العلمانية الرافضة لقيام دولة بخلفية دينية، أو حتى من أنصاره الداعين إلى تحكيم الشرع والشاجبين حتى لطرح هذه القضايا، ومن جهة ثانية، رمى الكرة في ملعب المؤتمر وما سينبثق منه على قاعدة هذا ما أراده السوريون ولا يُمكنني الوقوف في وجه إرادتهم.