تقدم الثورة السورية نموذجاً مختلفاً عن الصورة التي رسمها نظام الأسد وحلفائه لها، وتنزع عنها لبوس الإسلام السياسي والجماعات المتشدّدة التي يصرّ البعض على إلباسها إياه، رغم تطمينات وتصريحات القائد العام للإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، وأولها عدم تصديرها إلى خارج سوريا، كالثورة الإسلامية في إيران التي تمدّدت في المنطقة وعاثت دماراً وخراباً.
بالكاد مضى 20 يوماً على تسلّم المعارضة السورية، وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام"، إدارة شؤون الدولة السورية، بعد أكثر من نصف قرن على حكم نظام شمولي استبدادي كان قائماً على القتل والترهيب، حتى بدأ إطلاق الأحكام على إدارتها منذ اليوم الأوّل، من الفشل في ضبط الشارع ومذهبة تصرّفات أفرادها، إلى توجيه الرأي العام على أنها تستهدف الأقليات وفرض الحجاب ومنع الاحتفالات بعيد الميلاد، وغيرها من التكهنات التي تصبّ جمّ افتراءاتها تصويباً على نجاح المعارضة بكافة أطيافها في اقتلاع النظام، والتقليل من أهمية هذا الإنجاز بعد ثلاثة عشر عاماً من انطلاق الثورة.
مصادر متابعة لمجريات الأحداث في سوريا أوضحت لـ "نداء الوطن" أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، لكن الأمر يتطلّب بعض الوقت، فالمعارضة أتت على أنقاض نظام متهالك، مبني على الفساد والرشوة والسطوة، واقتصاد مدمر لصالح تجارة الكبتاغون، وعليه على المنتقدين التروي في إطلاق الأحكام وأخذ تصريحات الشرع على محمل الشرعية والجدية، لأنها ثورة قامت من أجل الإنسان، حسبما يؤكد الشرع، وليس وفق حسابات شخصية أو سياسية، بغرض تسلّم الإسلاميين الحكم في "بلاد الشام"، وهي تهمة أريد منها الإنقضاض على الثورة منذ اليوم الأوّل.
وأكدت المصادر أن عناوين المرحلة المقبلة تركز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية الملحة التي عانى منها الشعب السوري بسبب سياسات النظام المخلوع، من دون أن يكون هناك أي أجندة خاصة للثورة أو للشرع، الذي يُنادي دائماً بالدعوات ضد الطائفية والانقسام، ويركز على المواطن السوري وتجنيب البلاد الصدامات بين مختلف المكوّنات السورية، وينادي بالحريات الفردية التي كفلها الدستور الذي ينتظر إعادة صياغته، ليبنى على تحليلات الممانعين والمعارضين كذبها من صحتها.
واعتبرت أن نجاح تجربة الإسلام السياسي بحلّته الجديدة في سوريا يتوجّس منها القريب والبعيد، وأن تعمم في الإقليم والمحيط، وهي تكاد تكون أقرب إلى التجربة التركية القائمة على الإسلام العلماني، وما قيل ويقال عن المتشدّدين الإسلاميين، والحركات الإسلامية في العالم العربي، وتجاربها في مصر وغيرها، دحضته الثورة السورية، التي يركز الشرع على عدم تصديرها إلى الخارج، وتحوّل خطابها من الديني إلى السياسي، فسوريا عانت من إيران التي صدّرت ثورتها الإسلامية إلى عدد من المناطق، حيث شهدت حروباً وانقسامات طائفية ومذهبية. لذا، لن تكون الثورة السورية شبيهة لها.
وفيما تضجّ وسائل التواصل وبعض المواقع الإخبارية بنقل أحداث فردية، تقع في سوريا، من إحراق شجرة الميلاد في حماة، إلى إدعاءات بتنفيذ اعتداءات على مقامات دينية، وما بينها تصفية شبيحة من النظام، قتلوا وعذبوا أبناء الشعب السوري، ونكّلوا بالمعتقلين داخل السجون، ولا سيما سجن صيدنايا، وتظاهرات للمطالبة بدولة علمانية وغيرها، شدّدت المصادر على أن فلول النظام المتبقية تعمل على تشويه الصورة الناصعة التي نشرتها المعارضة بعد نجاحها، وذلك عبر تظاهرات وإحراق مقامات دينية، كما حدث في حلب، وذلك كلّه بهدف إثارة الفتنة.
لكن الملفت، وفق المصادر، هو تعاطي القيادة العسكرية مع تلك القضايا، من إعادة رفع شجرة الميلاد، إلى حماية المقامات الدينية وعدم التعرّض لها، كمقام السيدة زينب، والسماح للمتظاهرين بالتعبير عن رأيهم، رغم معرفة خلفيّتهم السياسية، ما يدلّ على حنكة وإلمام شامل بالواقع، واستيعاب مجمل القضايا التي يُمكن أن تشكّل حساسية وتعيد عقارب نجاح الثورة إلى الوراء.