تعيش شخصيّات الكاتب المسرحي الروسي أنطون تشيكوف مأزقًا حادًا: الحياة تمر، وأيّامها تتوالى، ولكنّ شيئًا، في العمق، لا يحدث.
في "الأخوات الثلاث"، تنتظر الشخصيّات العودة إلى موسكو، حيث ستبدأ حياتهن الحقيقيّة. موسكو هنا ليست مجرّد عاصمة لروسيا، بل هي وعد بحياة أخرى لم تبدأ بعد. تتحدّث الشقيقات كثيرًا عن موسكو، تخطّطن للعودة، تتخيّلنها، وتعلّقن عليها آمالهن. لكنّ العمر يمر، وتبقى موسكو بعيدة، كحياة مرغوبة وخارج المنال.
تسكن مسرحيّة "بستان الكرز" الإشكاليّة عينها. يوشك عالم كامل على الانهيار. أصحابه يعرفون ذلك، لكنّهم لا يستطيعون إنقاذه، علمًا أنّهم عاجزون، في الوقت نفسه، عن مغادرته. يعاين أبطال تشيكوف هنا زوال طريقة حياة يريدون لها أن تبقى، من دون أن ينجحوا في إبقائها، ومن دون أن يتأقلموا مع ما يأتي بعدها.
هكذا تبدو شخصيّات تشيكوف، من مسرحيّة إلى أخرى، معلّقة تبحث عن معنى، أو حبّ، أو خلاص من واقع لا يُطاق، لكنّها متردّدة، وعاجزة عن الحسم، كما أنّ الظروف تعاكسها. هي شخصيّات تعرف ما تريد، ولا تجهل طريق الوصول إليه. ما ينقصها هو الحركة وقدرة الانتقال من المأمول إلى الفعل على الأرض.
مع أنّ شخصيّات تشيكوف روسيّة تعيش في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، يبدو لي أحيانًا أنّ مأزقها يختصر حياتنا الوطنيّة اللبنانيّة: الأيّام تتوالى، والأحداث. لكنّ شيئًا ذا معنى لا يحدث. لا يمرّ عام علينا من دون أزمة أو حرب. أشياء كبرى تحدث. ومع ذلك، تدور قضايانا الكبرى حول النقطة نفسها. هي عالقة، ونحن معها. وحده الزمن يتقدّم.
فكّر بنظامنا السياسي. المدافعون عنه لا يستطيعون تفعيله، ومعارضوه لا يستطيعون تغييره. من مسألة السيادة وتدخّل الخارج في شؤوننا، إلى الكهرباء المقطوعة، وعجز الدولة عن محاسبة الفاسدين لأنّ الفاسدين والساكتين عنهم هم الدولة، يبدو النظام كأنّه في حالة موت سريري. لكنّه جثّة تتنفّس، وترفض أن تموت تمامًا.
ومع ذلك، فإنّ البديل حاضر دائمًا في الكلام. تُطرح الصيغ، وكاتب هذه السطور من طارحيها. تُرسم الخرائط، وتُناقش الأنظمة، كما ناقشت شقيقات تشيكوف موسكو. لكنّ البديل نظري. أمّا فشل النظام فليس نظريًا، بل واقعًا معيشًا يطحن أعمارنا.
فكّر أيضًا بالسلاح. الميليشيا الشيعيّة باتت ضعيفة بما يكفي كي تصبح عودة سيطرتها السابقة على لبنان مستبعدة. لكنّها لا تزال قويّة بما يكفي، أو أنّ الحكم اللبناني جبان بما يكفي للحفاظ على ما بقي من سلاح وهيكليّة، بما يمنع الدولة من فرض حصريّة السلاح على أرضها.
هكذا تمرّ سنة تلو أخرى، وعقد بعد آخر، والجميع يناقش السلاح. يكرّر السياديّون رفضهم له، وتصدر المواقف والبيانات، لكنّ السلاح يبقى حيث هو. الزيارة الرئاسيّة الأخيرة إلى واشنطن اختصرت عبث المشهد، إذ لا يبدو أنّها أنتجت شيئًا غير الصور الباسمة في البيت الأبيض.
الأحزاب؟ زعماؤها يجترّون حضورهم الثقيل منذ أربعين عامًا أو أكثر. لا هم يحوّلون أحزابهم إلى مؤسّسات، ولا المجتمع يفرز قوى جديدة تقطع مع الشخصنة والعائليّة السياسيّة. يمكن طبعًا لرافضي طأطأة رؤوسهم أمام القادة أن يصرخوا: "ديموقراطيّة حزبيّة"!، كما صرخت شقيقات تشيكوف: "موسكو! موسكو"!. ولكنّ هذه كما تلك بعيدة.
لبنان بلد غني بالأحداث وفقير بصانعيها. الاحتلالات تحدث، والحروب، والكوارث المتناسلة. تتوالى الأيّام والأجيال، وتهاجر الناس، وتتشكّل الحكومات. لكنّ شيئًا لا يحدث لوقف المأساة. عجز الانتقال من كلام إلى فعل يبقى العنوان.
هل نوستالجيا بشير الجميّل قويّة لهذا السبب؟ بشير، في ذاكرة مريديه، يمثّل نقيض الحالة التشيكوفيّة: هو رجل لم ينتظر الحدث، بل صنعه.