«لبنان لم يُحكم بصورة صحيحة إلّا عندما حكمه درزي»

فصل من مذكّرات اللواء رياض تقي الدين... زيارة إلى كمال جنبلاط

7 دقائق للقراءة

صدرت أخيراً مذكّرات رئيس أركان الجيش اللبناني (1991-1997) اللواء رياض تقي الدين "حفر على الوجدان وبصمة الوجود"، عن دار سائر المشرق.


هذه المذكّرات التي كانت مخصّصة بالأساس لعائلة كاتبها، قبل أن يقرّر اعتبار اللبنانيين بمجملهم عائلته، ويستحقون بالتالي معرفة الحقيقة وخلاصة خبراته، تكشف ما هو أبعد من مجموعة كبيرة من الأسرار اطّلع عليها وعايشها من كثب، بعدما شغل مواقع قيادية عديدة. إنها تحليل هادئ وعميق وموضوعي لأحداث تاريخ لبنان المعاصر، منذ مطلع ستينات القرن العشرين، تُظهر كيف أنّ تسلسلها وظروفها وخلفياتها ومرامي أبطالها الحقيقية، معطوفة على موروثات ثقيلة راسخة، جرّت اللبنانيين إلى حيث لم يُرِيدوا.


إنها مذكّرات شفّافة ومسؤولة تحمل إجابات مباشرة، على وجه الإجمال، وبين السطور لماماً، عن أسئلة بقيت لغزاً طوال العقود الماضية. والآتي مقتطفات من الفصل السادس من الكتاب المؤلّف من 512 صفحة.



حان وقت زيارتي لكمال جنبلاط

إثر إعلان ثكنة بعلبك تمرّد قوّات الليطاني الفاشل، وبداية فرار العسكريين بالمفرّق، قبيل انفراط عقد ثكنة هنري شهاب... وجدتُ أنه من المناسب لقاء كمال جنبلاط مباشرةً وتقديم نفسي له...



[...] وصلت إلى منزل جنبلاط في المصيطبة الساعة السابعة والربع مساءً لانعدام السير على الطرقات. استقبلني فوراً وعلى انفراد... دام اجتماعنا حتى الساعة التاسعة والربع ليلاً. تحدّثنا بصراحة عن الصراع القائم، ولم نترك موضوعاً خطر في بالنا ولم نطرقه. تعمّدتُ أن أقول بصراحة رأيي بقراراته التي لم أوافقه على الكثير منها، والمهمّ أني نقلت رأي الجيش الصريح بسلوكه ونقد المسؤولين له...



- قلتُ له جئت إليك لأني محسوب عليك في الجيش، مع أنك لا تعرفني، حتى وإني لا أوافق على كلّ مواقفك!


- كررتُ له ما قاله الفلسطينيون عنه وعن الدروز على التّنصّت.

- سألتُه لماذا تحمل القضية الفلسطينية على كتفيك أكثر من العرب، وتهتم بها أكثر من أهلها؟


- لماذا تحتضن انشقاق الملازم أول أحمد الخطيب وتمهّد لتدمير الجيش اللبناني؟


- لماذا تتشدّد في المطالبة بمحاكمة الكتائب؟ وأنت تعلم من ملابسات حادثة عين الرمانة أن الجرم لم يكن متعمّداً وأن الكتائب وأبا عمار يميلان إلى الصلح والتهدئة.


- نحن نعرف أن الذين سبق واعتادوا على توتير الساحة هم: المخابرات الأردنية والصاعقة السورية. وقد جاءت حادثة عين الرمانة بتحرّش الصاعقة بالكتائب.


- لماذا بصراعك، أنت والكتائب اتّجهتم لنقل الحرب إلى الجبل؟ وهل هذا يخدم المسيحيين والدروز؟


- لقد بدأ الجيش يتشرذم بالمفرّق. فهل أنت راضٍ عن ذلك؟ وإذا كنت ترى تفكيك الجيش فيه مصلحة وطنية، أو حتى درزية، عمّم ذلك، عندها قد ينشقّ الدروز بسلاحهم وليس عزّلًا.


جاءت إجاباته كاملة دون ترتيبها هنا، لأني أغرف المعاني من ذاكرتي، ولا أتذكّر السياق، أو النصوص الحرفيّة، قال:

- أنا لم أحرّض أحمد الخطيب على انشقاقه، لكني حاولتُ احتضانه كاِبنِ الإقليم، خوفًا من وقوع إرادته كاملة في يد أبي جهاد، بالطبع، ففتح أقدر مني مالياً.


- سياسياً، الفلسطينيون شبكة عنكبوتية، لها ثقلها العربي والدولي. يحمل إعلامها قضيّتهم ودول كثيرة تصادق من يحمل قضيّة إنصافهم. علينا البقاء على علاقة مميزة بهم، للحفاظ على قبول العرب بنا كلبنانيين، وكأقلية نريد ألّا تندثر...


- أنا لا أقبل بفرط الجيش، لأنه، بعد بضعة أشهر سيتحقّق الصلح، وسنحتاج إليه لحماية التوافق!


- مشاريع الإصلاح الوطني التي جيّشنا لها في أكثر من مناسبة سابقة، وخضنا غمارها آملين نجاحها، تحطّمت على صخرة العناد الماروني. أما اليوم، وبمساعدة الفلسطينيين، والدعم العربي، ففسحة الأمل تبدو أوسع للتنفيذ.


- لم يُسمِّ صراحة استخدام الصراع الكتائبي - الفلسطيني، ولكني وقتها سمّيت الأمر، بالفرن الكتائبي - الفلسطيني الذي أمل اليسار اللبناني أن ينضج رغيف الإصلاح اللبناني على ناره. كمال جنبلاط لم يفسّر ما قال، ولكني فسّرت موقفه المتشدّد بهذه الصورة الكاريكاتورية.


- جوابه عن نقل الحرب إلى الجبل، جاء بطريقة غير مباشرة. قال إنّ ظاهر علاقتنا مع الفلسطيني جيّد، ولكن واقعها فيه الكثير من التعقيدات التي نفضّل عدم طرحها اليوم. اليوم نحمل عنوانين حماية الثورة الفلسطينية والإصلاحات اللبنانية فقط.


إن الجواب الضمني الذي أشار إليه خفية، كان تضييق الفلسطينيين الخناق عليه، في الساحة السنّية مقابل تشدّده حيال الكتائب إلى أن يصل الأمر إلى إشعال حرب الجبل...


قبل أن أغادر، فاجأني بسؤال لم أتوقّعه، قال: "إلى أين يريد الرئيس سليمان فرنجية الذهاب بتصلّبه، ألا يخشى انهيار البلد؟! ألا يعتقد أن الموارنة سيكونون الخاسر الأكبر؟" لم أكن أملك الجواب، ولكني ربطت فوراً بين سؤاله، وجوابه لي عن رؤيته لقرب الحل، ورفض انفراط عقد الجيش بغية استخدامه في حماية الحل القادم!


لذلك خلصت إلى الاستنتاج أن تشدّد كمال جنبلاط كان يستعمله أداة ضغط على الرئيس خصوصاً والموارنة عموماً، معتمداً على وطنيتهم وخوفهم التاريخي على لبنان واعتبارهم أنفسهم أم الصبي. لقد أخطأ الموارنة في العناد، وأخطأ كمال جنبلاط في حسابه لسلوك الموارنة تحت الضغط.



فرط الجيش والمبادرة السورية

جاء دور فرط ثكنة هنري شهاب، فكنت ترى عسكرييها حاملين أمتعتهم على ظهورهم، راكضين إلى بيروت جماعات جماعات، ولا أحد ينجدهم!...


تناقص وجود المسلمين في الوزارة بسرعة، فاتّصلت بصهري الرائد شريف فياض، قائد مدرسة الرتباء الذي كان يدافع عن مديرية الهاتف قبالة المدينة الرياضية. وبعد أن أرسلتُ سيارتي إلى الشويفات، طلبتُ منه أن يزورني، وكانت العبارة سرًا بيننا!

جاءني في صباح اليوم التالي، فانطلقنا عبر بعبدا إلى الشويفات...


[...] واكبت أنا وشريف تطوّر القوى، وكنّا نراقب تطوّر الناس واندفاعهم للقتال، ونخطّط على هذا الأساس. لم يكن شعار الحركة الوطنية الذي يستهوي الشيوعي، والذي اقتنع به كمال جنبلاط، يستهوي عامَّةَ الدروز، حتى إن منطق عروبة لبنان وشعار إلغاء الطائفية لم يستهويانها، وبقي الصراع نخبوياً.


أما أنا فكنت في البداية مع النخبة، ولكن ما كان يخصّني به كمال جنبلاط عن اجتماعات جبهة الحرية والإنسان وما يبنى عليها من طائفية بدعم من أميركا، حوّلني، وربما حوّل غيري أيضاً، إلى الواقعية فانكفأت إلى قناعات أهلي (مرغم أخاك لا بطل!) ، فالأقليّة يمكن أن تكون خميرة تغيير في العجين العادي، ولكن في الحروب لا تغيِّر إلا الأكثريات...



كذلك تفهّم المقاتلون الدروز معنى الدفاع عن النفس، وعن الأرض والعرض، أكثر من مبدأَي الاشتراكية أو العروبة، في أرض يذبح فيها العربي أخاه، ويأكل حقه ويستعبده!


[...] فاجأنا كمال جنبلاط يوماً في أحد الاجتماعات المشتركة، التي حضرها مسؤولون من مختلف الطوائف بالتفكير بصوت عالٍ مُفصِحاً عن طموحاته بالقول: "إنّ لبنان لم يُحكم بصورة صحيحة إلّا عندما حكمه درزي، ولن يُحكم بشكل سليم إلّا إذا حكمه درزي». فاجأ هذا التصريح الجميع لسببين: أولهما لأنه جاء في مناخ الحرب تحت مظلّة شعار إلغاء الطائفية السياسية، وثانيهما لأنه صادر عن قائد الحركة الوطنية صاحب نداء العلمنة.


لم يمرّ الأمر دون اعتراض خفي ناعم من قبل أحد البارزين غير الدروز: "كمال بك نحن لا عقدة عندنا". أما أنا فقد دوّى التصريح في أذني طويلًا، لأنه لامس عاطفتي من جهة، ورفضه عقلي من جهة أخرى. بيد أنني حسمتُ النزاع بين العقل والعاطفة لمصلحة العقل، واعتبرتُ التصريح بوحَ أمل وطموحاً عابراً غير قابل للتحقيق.



غلاف الكتاب