على مرّ الأجيال السابقة، حمل فنّ صناعة الزجاج عبق الهوية الفينيقية، وارتبطت هذه الحرفة اليدويّة بذاكرة لبنان الثقافية... لكن أمام التغيّرات والتبدّلات التي طالت طبيعة حياتنا، باتت هذه الحرفة الإبداعيّة الفنّية مهدَّدةً بخطر الاندثار إثر دخول تقنيات الصناعة الحديثة والآلات المتطورة. إنّما رغم ذلك، يجهد بعض العاملين في هذه الحرفة لتحدّي إيقاع التغيّرات المتسارعة، والإبقاء على حياة هذا الفن العريق، مع إضافة إبداعات عليه تجعله ينبض بروح جديدة معاصرة ومواكبة لزمننا، في تأكيد صارخ أنّ التراث يمكن أن يُحافظ عليه ويُنقل من جيل إلى جيل مع نفحة من تجدّد وازدهار.
في بلدة الصرفند الجنوبية، فرن لصناعة الزجاج لا يزال صامداً وشاهداً على امتزاج أصالة الماضي بابتكارات الحاضر، بفضل جهود أسرة خليفة ونجاحها من جيل إلى جيل في صقل مهارات أفرادها، والمحافظة على إرثها العائلي والوطني. لكنّ الحرب الأخيرة على لبنان، والتي فصلت الجنوب عن باقي المناطق اللبنانية، أقفلت الفرن لأشهر، كما تكشف ابنة العائلة ومسؤولة العلاقات العامة للمؤسسة التراثية، نسرين خليفة، مع تأكيدها أنّ الإقفال لن يستمرّ.
وتضيف خليفة لـ "نداء الوطن" أنّ الفرن، يشهد على رحلة أجيال من العائلة حملت هذا الإرث بكل تحدياته، وضمنت استمراريته. مشيرةً إلى أنهم يحافظون على أدوات الفرن التقليدية مثل القسطل والملقط والمقص، ويرفضون إدخال الماكينات الحديثة التي تُنتج مئات القطع الزجاجيّة في وقت قياسي، إيماناً منهم بضرورة إبقاء طابع الحرفة اليدوي والدقيق.
التحديات والمواسم
"نحن لا نرفض تعليم المهنة للغير، لكن لا أحد مستعد لتعلّمها بسبب تحدّياتها الكثيرة"، تجيب خليفة رداً على سؤالنا عن سبب عدم نقلهم أصول هذه الحرفة إلى أشخاص من خارج العائلة، موضحةً أنّ الصناعة التقليديّة للزجاج تتطلب جهداً وصبراً كبيرين، وأنّ أفراد عائلتها هم الأكثر استعداداً للتضحية من أجل الحفاظ على هذا الإرث، على حدّ قولها، مع اعترافها أنّ البعض منهم عجزوا عن تحمّل مشاقّها واتجهوا إلى مجالات عمل أخرى.
في فرن آل خليفة لصناعة الزجاج، حيث يلتقي التراث بالحداثة، ثمانية أفراد من العائلة اختاروا، منذ بلوغ الثانية عشرة من العمر، السير على خطى أجدادهم. هم، والد نسرين وأشقاؤها، وعدد من أعمامها، وأبناؤهم. لكنّ خليفة تشير بأسف أنّ التحدي الحقيقي أمام هؤلاء اليوم يكمن في ندرة الطلبيّات، حيث يبقى الفرن مطفأً معظم أيام السنة، ما يجبر الجيل الجديد منهم على البحث عن فرصة عمل أخرى لتأمين حياة كريمة لهم ولعائلاتهم، إنما دون التخلي عن شغفهم بالحرفة.
وتستعرض بحرقة كيف فقدوا هذا العام فرصة الاستفادة من موسم عيدَيْ الميلاد ورأس السنة، الذي كان يشكّل لهم أهمّ فترات الإنتاج والبيع، كما تروي.
وتنقل لنا خليفة أيضاً، ما يواجهه العاملون في فرن الزجاج من تحدّيات مستمرة في خلال فترات تشغيل الفرن، قائلة إنّ "أصعب ما في عملنا هو عدم قدرتنا على إطفاء الفرن ولو لدقيقة واحدة عند تشغيله، علماً أنّ التكلفة مرتفعة جداً، إذ يحتاج الفرن ثلاثة أيام لبلوغ درجة الحرارة المطلوبة للإنتاج، مع ميزانية تبدأ من ثلاثة آلاف دولار". وتشرح أنّ الأعباء المالية الكبيرة تدفعهم إلى جمع الطلبيّات مسبقاً، لضمان تشغيل الفرن بطريقة اقتصادية تقلّص من كلفة الإنتاج، على أن يقوم الأشخاص العاملون الثمانية بالتناوب بين النهار والمساء لإنهاء العمل كلّه.
عمليّة التصنيع
توضح لنا نسرين خليفة أنّ فنّ صناعة الزجاج يمرّ بمراحل عدّة. تبدأ العمليّة بالنفخ اليدوي، الذي يستغرق ربع ساعة على الأقل، يليها وضع القطعة لمدّة ست ساعات في ما يسمى بالمشوى الموجود فوق الفرن، بهدف تخفيض درجة حرارتها تدريجياً من 1400 درجة مئويّة، إلى أقل ثم أقلّ، حتى تبلغ أخيراً درجة حرارة المكان.
وتضيف أنّ هذه الدقة في العمل، تعكس الفرق الجوهري الكبير بين الحرفة اليدوية والإنتاج الصناعي، مع تأكيدها أنّ كل قطعة مصنوعة يدويّاً تحمل روح صانعها.
الإبداع والابتكار
بحماس متّقد وإصرار لا يعرف التراجع، يتمسّك إذاً أفراد عائلة خليفة بحرفة صناعة الزجاج، وتروي ابنة العائلة، كيف أنّ الشغف الكبير لوالدها بعمله، دفعه قبل نحو ثلاثين عاماً إلى اتخاذ قرار جريء، شكّل نقطة تحوّل رئيسية غيّرت مسار إنتاجهم.
فإلى جانب القطع الزجاجية التقليدية كالمزهريّات والأباريق، ارتأى الوالد التوجّه نحو ابتكار منتجات جديدة مثل الأكواب، والشمعدانات، وقطع الزينة الخاصة بالمناسبات والأعياد، مع محافظة كل قطعة على فرادتها، كما تلفت خليفة التي توضح أنه "لا يمكن أن تكون دزينة الكؤوس، على سبيل المثال، متطابقة تماماً، فكل قطعة منها تحمل بصمة الشخص الذي صنعها".
وتكشف نسرين خليفة أنّ عائلتها تستخدم في هذه الحرفة الفنّية، الزجاج المعاد تدويره من قناني البيرة مثلاً، لإدخال ألوان طبيعية على القطع المصنوعة مثل الأخضر والبنّي. ومن تدوير زجاج قناني النبيذ أدخلوا اللون الزيتي إلى القطع المصنوعة. أما في ما يتعلق بالألوان الأخرى غير المتوفرة محليّاً لإعادة تدويرها، فتوضح أنها تتولّى شخصياً مهمّة طلاء القطع التي تُستخدم فقط للديكور وليس لتناول الطعام فيها مثلاً، لكونها تصبغها بألوان مصنوعة من مواد غير طبيعية.
الدولة المهمِلة
رغم جهودها المستمرة، تواجه عائلة خليفة تجاهلاً صارخاً من قبل الدولة، التي لم تحرّك ساكناً للحفاظ على هذه الحرفة الفنّية العريقة ذات الجذور الفينيقية. تعلّق خليفة بمرارة على هذا الجانب، وتضيف: "كان على الدولة أن تكون الحامي لهذا التراث الذي يجذب السياح من كل مكان. لكنه اليوم مهدّد بالضياع بسبب غياب الدعم".
يبقى أنّ نسرين خليفة وعائلتها، كما العديد من الفنانين الحرفيين في صناعة الزجاج وسواها من الصناعات والفنون التقليديّة، يدين لهم لبنان واللبنانيون بصورة وبأخرى، لكونهم بجهد فردي غير مدعوم من الوزارات المعنيّة في الحكومات المتعاقبة، تمكّنوا إلى اليوم من المحافظة على حرف باتت بكلّ أسف على طريق الضياع والانقراض، ما سيُفقد لبنان حينها جزءاً من إرثه الثقافي والفنّي. وكما تصقل النار الرمال فتحوّلها إلى زجاج قوي وشفاف، هكذا تصهر الأزمات اللبنانيين المبدعين ليخرجوا أكثر صلابة وإبداعاً، ويحولوا المحن إلى فرص لإعادة بناء وطن ينبض بالحياة ويزدهر من جديد.