جوزيف حبيب

يتطلّع إلى إطلاق حقبة "الصفقات الرابحة"

ترامب... رجل العام والوعود الصادقة

6 دقائق للقراءة
هل يفلح ترامب بفرض "السلام من خلال القوّة"؟ (رويترز)

أصبح من نافل القول إن ترامب رجل استثنائي بكلّ المقاييس وكان "رجل العام" بلا منازع. استطاع الرئيس السابق، الذي أخرجته الجائحة ذليلاً عام 2021 من البيت الأبيض وسط فوضى اقتحام الكابيتول، "اختطاف" بطاقة "حزب الفيل" الرئاسية بسهولة، ثمّ استحال رئيساً منتخباً لبلاد "العم سام" وقائداً لـ "العالم الحرّ" للمرّة الثانية غير المتتالية. لم يكن أي مرشّح آخر ليتمكّن من النجاة من الفضائح الجنسية والدعاوى القضائية والاتهامات الجنائية ومحاولتي اغتيال، إلّا أن "ساحر المحافظين" هدم كلّ الجدران أمامه وانتزع انتصاراً تاريخياً مدوّياً هذا العام، بسحقه منافسته الديمقراطية كامالا هاريس ومعها كلّ "الماكينة الزرقاء" التي أغرقها "المدّ الأحمر" رئاسياً وتشريعياً.



من المعروف عن ترامب أنه يلتزم بتنفيذ وعوده الانتخابية أو أقلّه يُقاتل من أجل إنجاز ما تسمح به موازين القوى، وهذا بالضبط ما فعله خلال ولايته الأولى وما يتوقع أن يُحققه بعد توليته رئيساً في 20 كانون الثاني المقبل. يصف مراقبون ترامب بـ "رجل الوعود الصادقة" الذي يأخذ وعوده على محمل الجدّ ويجهد لاتمامها حين يجلس داخل المكتب البيضوي، خلافاً لما هو متعارف عليه في أوساط "نخب واشنطن" الذين يغدقون الناخبين بوعود واهية بلا أي "رصيد تنفيذي". وكون ترامب رجل "الوعود الصادقة"، يتوجّس معارضوه وأعداؤه الداخليون والخارجيون على السواء من أجندته الحافلة والتي لن يتوانى للحظة عن وضعها في الخدمة من اليوم الأوّل لتسلّمه مفاتيح البيت الأبيض.



جعل ترامب 2025 عاماً مثيراً للاهتمام قبل أن يبدأ، إذ يترقب المتابعون أحداثه بفارغ الصبر، فقد توعّد الرئيس المُنتخب المهاجرين غير الشرعيين بأكبر حملة ترحيل في تاريخ أميركا، فضلاً عن تعهّداته المتصلة بالأمن المجتمعي وبـ "الحرب الثقافية". كما ينتظر الأميركيون تنفيذ خطّته لخفض التضخم الذي أنهك عائلات الطبقة الوسطى، وتحسين الوضع الاقتصادي بشكل عام. ويطفو على السطح هنا، تهديد ترامب برفع الرسوم الجمركية على جارتيه كندا والمكسيك، بالإضافة إلى حلفاء وخصوم على امتداد المعمورة، للضغط عليهم ليُقدّموا تنازلات يودّ الرئيس القادم لبلاده قطف ثمارها، بينما تتفاوت تنبؤات الخبراء حول انعكاس مثل هذه الخطوات على الاقتصاد الأميركي الذي ما زال الأقوى عالمياً.



يُثير ترامب الذعر والتوترات الدبلوماسية بإشهاره "العصا الغليظة" حتى قبل توليته رئيساً، فأبدى امتعاضه من الرسوم التي تدفعها السفن الأميركية خلال عبورها قناة بنما، ملوّحاً مراراً باحتمال استعادة سيطرة بلاده على القناة التي أنجزت أميركا حفرها عام 1914. وجدّد أيضاً رغبته القديمة بشراء غرينلاند، الإقليم الدنماركي الذي يتمتع بحكم ذاتي وله موقع جيوستراتيجي بالغ الأهمية في القطب الشمالي، فيما فُتحت كذلك "شهيّته التوسعية" على كندا، وصار يُشير مُمازحاً إلى رئيس وزرائها جاستن ترودو بـ "الحاكم"، كما لو غدت كندا الولاية الأميركية رقم 51. ولا يُمكن إغفال تهديده "حماس" بضربة قاصمة لم يتلقاها أحد في تاريخ أميركا، إذا لم تفرج الحركة عن جميع الرهائن قبل موعد "تتويجه" رئيساً.



طموحات ترامب وتهديداته هذه، ومهما بدا بعضها غير واقعي، إلّا أنها تجسّد طريقة "تحرّك" قائد حركة "ماغا" غير التقليدية على "رقعة الشطرنج الدولية"، كما تعبّر عن مخاوف متعلّقة بالأمن القومي وعن مصالح مرتبطة باستغلال الموارد الطبيعية وتعزيز الحضور العسكري في وجه العدوّ الجيوسياسي رقم واحد لأميركا، أي الصين، إضافة إلى روسيا بدرجة ثانية. المنافسة الحامية الوطيس بين "النسر الأصلع" و"التنين الأصفر" ستضحى عنوان ولاية ترامب الثانية، وإن لم يتوصّل الغريمان اللدودان إلى اتفاقات أو "صفقات تسووية" تعيد "دوزنة" العلاقات بينهما، فقد تتدهور الأمور دراماتيكياً وبسرعة فائقة إلى "حرب تجارية" مُكلفة للغاية على الاقتصاد الدولي.



وفي ظلّ هكذا أجواء مشحونة بالتوازي مع تكثيف الصين لأنشطتها العسكرية الاستفزازية في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، ترتفع المخاطر من حصول صدام عسكري حول تايوان أو في المساحات المائية الشاسعة التي تسعى بكين إلى الهيمنة عليها على حساب جيرانها، وأبرزهم الفيليبين التي تجمعها معاهدة دفاعية مع الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يُشكّل شرارة لحرب عالمية لم تشهد الإنسانية مثيلاً لها من قبل. لهذا، وبصرف النظر عمّا إذا كانت جهوده ستتكلّل بالنجاح أم لا، سيضغط ترامب لوضع حدّ للغزو الروسي لأوكرانيا وحرب غزة والمواجهات المفتوحة في الشرق الأوسط، لتركيز اهتمام بلاده على منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. ويطمح ترامب إلى إبعاد موسكو قدر الإمكان عن بكين وبيونغ يانغ وطهران، وتالياً تفكيك "محور الشرّ" رويداً رويداً.



يتطلّع ترامب الذي حفّز فوزه تلقائياً الحلفاء داخل "الناتو" وخارجه على رفع سقوف موازناتهم الدفاعية، إلى إبرام صفقات مع مختلف الأطراف من دون استثناء، لكن من موقع القوي الذي يفرض شروطه. لن يكون مفاجئاً إطلاقاً رؤية الإدارة الأميركية المقبلة تنشط دبلوماسياً في أكثر من اتجاه للتوصّل إلى اتفاقات أو صفقات، ولا سيّما مع أعداء الولايات المتحدة، من الصين وروسيا إلى كوريا الشمالية وإيران وغيرها. وعلى الرغم من صعوبة هذه المهمّات، بيد أن كلفة الحروب، خصوصاً بين القوى النووية، باهظة ومرعبة، لذا تكون الأولوية للعمل على إيجاد "أرضية مشتركة" تؤمّن ضوابط متينة تحول دون الدخول في دوّامة الصراعات الدموية.



ما يعنينا في هذه البقعة بالذات من العالم التي تمرّ بتحوّلات جذرية عميقة، كيفية مقاربة إدارة ترامب للمنطقة المضطربة وانعكاس سياساتها على دول الشرق الأوسط وشعوبها. الثابت بالنسبة إلى واشنطن أمران أساسيّان، وهما أمن إسرائيل ومصالح "العم سام" الحيوية. وإن لم تحسن طهران قراءة المرحلة الجديدة (هي عادة ما تجيد التكيّف مع المتغيّرات) وتسارع إلى تقديم التنازلات الكفيلة لإبرام "اتفاق نووي" جديد، فستدفع "الثمن الأعظم" بعدما جَرَف "طوفان الأقصى" عدداً من قادة "محور الممانعة" وقطّع أوصال "الأخطبوط الإيراني". ويبدو أن القيادة الإسرائيلية مصمّمة على تصفية حساباتها مع نظام الملالي لمرّة واحدة وأخيرة، بعد ظفرها في بترِ "الهلال الشيعي" وإعطاب الأذرع الإيرانية وتشويهها.



سيدفع ترامب نحو توسيع "اتفاقات أبراهام"، خصوصاً مع نضوج ظروف مؤاتية لتحقيق ذلك. يرغب "رجل الأعمال" بطيّ صفحة الحروب وإطلاق حقبة تتميّز بإبرام "الصفقات الرابحة". اختزل عام 2024 تطورات كانت لتأخذ عقوداً طويلة كي تتبلور كما حصل في المنطقة، وبالتالي أضحى هذا العام الذي كان مشبّعاً بالحزم والحسم العسكريَّين، كما لو أنه يُساوي نصف قرن أو أكثر. فهل يُكمل عام 2025 المسيرة وينقلنا مرّة أخرى إلى الأمام نصف قرن أو أكثر؟ وهل يفلح ترامب بفرض "السلام من خلال القوّة"، أم يضطرّ مرغماً إلى استخدام "عضلات" الجيوش الأميركية في المنطقة وحتى في بقع حساسة أخرى من حول العالم؟ الأكيد أن مساراً طويلاً ومتعرّجاً ينتظرنا جميعاً ويُحتّم علينا ربط الأحزمة جيّداً.