"كلّ شيء سيكون على ما يرام" بهذه العبارة ختم فلاديمير بوتين العام 2024 ومعه ربع قرن من تربّعه على عرش السلطة كرئيس للوزراء ورئيس. خمسة وعشرون عاماً مرّت على حكم "القيصر" انتصر خلالها وخلافاً للتوقعات على استحقاقات صعبة وتحديات كبيرة، ورسّخ رئاسته ومكانة بلاده بين الكبار في العالم.
لم يستطع الغرب عزل روسيا سياسياً واقتصادياً ومالياً رغم كل المحاولات منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وحتى يومنا هذا، واستطاعت الخروج من حفرة الأزمات التي وجدت نفسها فيها أكثر من مرّة، بفعل "السياسة البوتينية" التي لم يتمكّن الغرب من تقويضها.
واليوم مع التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، إلى الملف الأوكراني، فتسلّم الرئيس الأميركي المُنتحب دونالد ترامب في 20 من الحالي مفاتيح البيت الأبيض، يجد بوتين نفسه أمام التحدّي الأكبر ربّما خلال عهده الطويل والمستمرّ، فهل تبقى روسيا معه خلال الـ 2025 على ما يرام؟ هو السؤال الأهمّ حالياً، بعد سقوط نظام الأسد، وتراجع الدور الروسي في سوريا، فيما العين على مصير الحرب الروسية - الأوكرانية التي تختم عامها الثالث في شباط المقبل.
اختتمت روسيا عام 2024 بهزيمة في سوريا مقابل تحقيقها مكاسب في أوكرانيا، في حين واصلت كييف نداءاتها لزيادة الدعم العسكري الغربي للصمود في ظلّ مخاوفها من تلاشي الدعم في عهد ترامب الذي تعهّده بإنهاء الحرب في أوكرانيا، وحديثه عن الدفع بطرفي النزاع إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات.
إنهاء هذه الحرب هو الهدف، بحسب ما يصرّح به في كلّ مرّة بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على السواء، إلّا أن خيار التفاوض قد يسقط في أي لحظة بفعل الشروط المضادة وتمسّك طرفي النزاع بمكاسبهما. فروسيا تضغط من أجل اعتراف أوكرانيا بما سُمّي "الضمّ الشامل" للمناطق الأربع التي سيطرت موسكو على جزء كبير منها، وهي دونيتسك، لوغانسك، خيرسون وزابوريجيا، وإجبار القوات الأوكرانية على الانسحاب منها، بينما لا ضمانة لقبول كييف بهذا الشرط، الذي يعني فعلياً الاعتراف بسيطرة روسيا على نحو 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، وربّما التخلّي عن مطلب الإنضمام إلى حلف "الناتو".
وعلى بُعد أيام من تسلّم ترامب البيت الأبيض، تترقب أوروبا ومعها روسيا بحذر أداء الرئيس الأميركي المقبل في حلّ النزاع في أوكرانيا، التي باتت الحلقة الأضعف في هذا الصراع على أرضها، والذي أصبح مواجهة سياسية بامتياز بين "قيصر موسكو" والدول الأوروبّية ووراءها "الناتو". وبات إنهاء الصراع يعتمد أكثر من أي وقت مضى على حل دبلوماسي عرّابه ترامب.
وبالتالي، لا أحد يستطيع التكهّن بتوقيت تحقيق وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، بينما ستكون الأشهر القليلة المقبلة حاسمة بالنسبة إلى موسكو وكييف اللتين تسعيان إلى تحقيق أكبر قدر مُمكن من المكاسب على الأرض قبل الوصول إلى المفاوضات.
من هنا، لا يُشير أداء بوتين في الملف الأوكراني إلى قلق سيّد الكرملين على مستقبل روسيا ومكانتها ومكاسبها، هو الذي صعد إلى السلطة واستمرّ لربع قرن، يعرف جيّداً كيف يستغلّ الأزمات لتعزيز نظامه وتحويل الفشل العسكري إلى استنزاف مدروس، والحرب الأوكرانية أكبر دليل. فهل يكون بوتين الرابح الأكبر في أوكرانيا هذا العام، أم أن رياح تضارب المصالح الروسية - الغربية ستجري بما لا تشتهي سفينة "القيصر"؟