اللبنانيون وبلا استثناء يكادون لا يصدقون ما جرى في الأشهر الأخيرة من العام المنصرم.
قسم كبير منهم رأى أن إسرائيل أنجزت لهم في حربها الأخيرة على لبنان ما كانوا يتمنونه وكان يبدو بعيداً، بل مستحيلاً، ألا وهو الانعتاق من سطوة "حزب اللّه" وسلاحه. لكن، ولما كان من المحرّم أن يُحتفى بما تنجزه إسرائيل، لم يعبّر هؤلاء عن فرحتهم علناً بسقوط "الحزب"، خاصة وأنه جاء على حساب قتل وتهجير شركائهم في الوطن.
لاحقاً أتى سقوط الأسد، ليعطيهم فرصة مشروعة للاحتفال بالسقوطين معاً.
في المقابل، كان هناك قسم آخر لا يستهان به من اللبنانيين ممن لم يصدقوا أيضاً ما حصل، لكنْ من موقع المفجوع والمحزون، ليس فقط بسبب ما حلّ بهم من قتل ودمار وتهجير، بل أيضاً بسبب تحطيم سطوة حزبهم وقتل أعزّ رموزهم.
هذه هي حال الانقسام الحاد اليوم بين اللبنانيين. ولا فائدة من إشاحة النظر عنه وعدم رؤية الأشياء كما هي. هذا إن أردنا أن نعي واقعنا وندرك خياراتنا لننتقي أكثرها جدوى وواقعية.
الكل إذاً مطالب بالتمعّن في هذا الانقسام. وأول المعنيين بذلك هم الشيعة عموماً، أو من درجت تسميتهم بالبيئة الحاضنة لـ "حزب الله". فهم اليوم في موقع لا يحسدون عليه. لذا يجدر بهم أن يجيبوا عن السؤال: لماذا يحتفي اللبنانيون ويسعد قسم كبير منهم بهزيمتهم؟
هناك إجابة سهلة، وإن إشكالية وضيقة، وقد تغري الكثيرين في بيئة "حزب الله". وهي أن الجماعات الأخرى، ولسبب أو آخر، ليست معنية مثلهم بمواجهة إسرائيل. وبالتالي ليست مستعدة لتقديم التضحيات التي تتطلّبها هذه المهمة أو للتضامن بالقدر الكافي مع من يتصدى لها.
وبغض النظر عن سلامة تلك الإجابة، فهي تضع بيئة "حزب الله" أمام خيارات ثلاثة:
الأول هو أن تحاول مجدداً أن تفرض أولوياتها السياسية والجهادية على باقي مكوّنات الوطن، على غرار ما كانت تفعله حتى وقت قريب. لكن هذا الأمر أصبح اليوم أبعد منالاً بعد المواجهة الكارثية مع إسرائيل وسقوط نظام الأسد.
الخيار الثاني هو أن تتبنّى بيئة "الحزب" طرحاً انفصالياً أو فدرالياً مدفوعاً بشعورها العارم بأن القليل فقط هو ما بات يجمعها مع باقي مكوّنات البلد، إن على صعيد الأولويات أو على مستوى درجة التعاطف والتضامن. ولا شكّ بأن تبني الشيعة في لبنان الطرح الفدرالي سيشكل، إن حصل، مفارقة قوية. فهم، وحتى وقت قريب، كانوا من عتاة رفض هذه الفكرة عندما بدأت تحظى بشعبية قوية في الشارع المسيحي. لكن بالرغم من ذلك، ليس من المستغرب أن يجد الشيعة أنفسهم اليوم، وفي ظل العزلة التي يشعرون بها، في الموقع ذاته الذي وجد فيه المسيحيون أنفسهم بعد العديد من الإحباطات.
لن يتيح الابتعاد من باقي مكونات البلد لبيئة "الحزب" أن تستأنف حربها مع إسرائيل. فدون ذلك إسرائيل نفسها بما كشفته من قدرات فتاكة لا تغري هذه البيئة في خوض تلك التجربة مرة أخرى. لكن الابتعاد سيسمح لهذه البيئة الحاضنة أن تحتضن أسطورتها المؤسسة عن نفسها وعن مقاومتها وشهدائها وتضعها في المكان الذي تريد من الحيز العام. وقد تفعل ذلك إلى جانب قبولها بسلام مع إسرائيل.
يبقى أن الخيار الفدرالي ليس بالأمر اليسير، فأمامه تحدّيات وتعقيدات كبيرة منها التداخل الديموغرافي والمناخ الإقليمي غير المرحّب في المدى المنظور بالمشاريع الانفصالية أو حتى الفدرالية.
أما الخيار الثالث فأن تتخلى بيئة "حزب اللّه" عن نظرتها الحالية إلى نفسها لصالح أخرى تتماشى مع تصوّرات باقي اللبنانيين. أي أن تتخلى أساساً عن وصفها ببيئة ذلك "الحزب". وهذا أمر، وإن كان صعباً وبحاجة إلى بعض الوقت والظروف لإنضاجه، ربما يبقى أكثر يسراً وحظاً في النجاح بالمقارنة مع الخيارات الأخرى.