لقد تميز "الإخوان المسلمون" في سوريا عن أقرانهم في فروع الإخوان الأخرى، بحضور التوفيقية النظرية والبراغماتية السياسية بشكل أكبر، فقد كانوا الأكثر إعجاباً أثناء فترة الستينات، مثلاً من بين الإسلاميين، بالطرح الاشتراكي. فقد كتب مصطفى السباعي عن الاشتراكية في الإسلام، كما انضم الإخوان في سوريا لفترة إلى الجبهة الاشتراكية الإسلامية، وهو ما تحفظ عليه أقرانهم من الإخوان في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي.
بعد الصدامات الدموية مع النظام منذ الستينات وصولاً إلى انفجار الحرب الأهلية عام 2011 وبعد أن استقر بهم الحال خارج سوريا ليصبحوا حركة مهاجرة، ولاحقاً داخل مناطق محررة في البلاد، التي تحولت إلى تنظيم صفوفهم وتشكيل خلفية صلبة في اللحظة السياسية المناسبة للانقضاض على نظام الأسد، كما حصل مؤخراً.
لقد أعاد "الإخوان المسلمون" بقيادة الشرع النظر في كل ما مر بهم خلال العقود المديدة، في حركة نقدية داخلية في النواحي التي أصاب فيها الإخوان واخطأوا. وكانت هذه المراجعة كافية كي تضعهم في مستهل القرن الحادي والعشرين كقوة يحسب لها حسابها في أي إعادة لترتيب القوى في سوريا، عند أي تغيير في الحكم، وهذا ما حصل، مما يوحي بأن الإخوان المسلمين في سوريا قد استفادوا من فترة الصدام مع النظام، في التأكيد على ما يلي:
1- المراجعة العملية البراغماتية على مستوى الممارسة السياسية والتحالفات، سواء على مستوى الداخل السوري أم على مستوى العلاقة بالخارج، بل الموقف من الإصلاح الذي رحبت به حتى ولو بالاستقواء في الخارج لكي تزيل استبداد نظام الأسد .
2- المرونة والانفتاح المرجعي على مستوى الفكر النظري، فاندفعوا لمراجعة مواقفهم وحساباتهم، وأتبعوا في ذلك خطابهم، وهذا الذي تجلّى في المواقف المتتالية لقائد الثورة أحمد الشرع، وتوفير كل الفرص للمشاركة السياسية داخل سوريا.
إننا نلحظ تحولاً واضحاً في آليات التفكير السياسي بالنسبة للحركة الإسلامية السورية الأبرز التي استلمت السلطة. واعتقد بأنها ستنتقل إلى سلطة مدنية، ذات خلفية أو مرجعية "إسلامية". كما هي حال الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا، خصوصاً في ما يتعلق بقبولها مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.
*رئيس الحركة اليسارية اللبنانية