شادي معلوف

أمنيات مطالب وأحياناً مبالغات

بالفيديو - أغنيات الرؤساء: الفن مؤرِّخاً للأشخاص والحقبات

10 دقائق للقراءة

مذ كانت الأغنية، رافقت الأحداثَ الوطنيّة والسياسيّة الكبرى، واستفاد سياسيّون ومسؤولون من تأثير الفنانين على الرأي العام للترويج لسياساتهم أو لهم كأشخاص. لبنان، الذي عرف الأغنية الوطنيّة، والسياسيّة، عرف أيضاً الأغنيات الخاصّة بـ "الشخص". هذه جولة على بعض الأغنيات التي ارتبطت بعهود رئاسية سابقة.


خلال عهد الرئيس بشارة الخوري (من 23/9/1943 إلى 20/9/1949)، عُرف عن الشاعر والمغنّي الشعبي عمر الزعنّي دعمه العهد الاستقلاليّ الأول وسيّده، ورفده بالقصائد والأشعار المغنّاة. لكن، لمّا ساءت أحوال البلاد والعباد خصوصاً مع التجديد للخوري (من 21/9/1949 إلى 22/9/1952) وشيوع أخبار الظلم والفساد، انقلب "مدح" الزعنّي للرئيس "هجاء"، فانتشرت في البلاد قصائد وردّيّات تلمّح ولا تصرّح، منها:

"يللي مغرور بحالك / ياما وياما مخبّالك / فرحان ومطمّن بالك / مهما طالت آمالك / عمرك قصير يا مشمش".



التصريح بعد التلميح

ولمّا لم يعد التلميح يكفي، لجأ الزعنّي إلى التصريح:

"بيقول المتل يا بو الخلّ / إذا حلق جارك بِلّ / إمّا بتحلق أو بتفلّ / وهيك مقدّر ومكتوب/ كاس وداير على الكل".


أمّا حين "وقع المحظور" وجدّد نوّاب الأمة للرئيس الخوري ولايةً ثانية (لم يُمضِ منها إلّا نصفها)، فاض كوب عمر الزعنّي وأنشد منتقداً "جدِّدلو ولا تفزع"، معدّداً أوجه فساد وموبقات العهد وحاشيته:

"هوّي بأمنيتو ظفر / ومدامتو شبعت سفر / والمحروس نال الوطر / وإخواتو شبعو بطر/ ما عاد في منّو خطر / ما عاد إلو ولا مطمع / جدّدلو ولا تفزع".


قصيدة أودت بالزعنّي إلى السجن، ولم يُفرج عنه إلّا بعفو رئاسي بعد امتعاض شعبي وتدخّل سعاة الخير لعقد الصلح بين الرئيس والفنان.



الشَّعر الفضّي

وإذا كان عهد الرئيس كميل شمعون (من 23/9/1952 إلى 22/9/1958) قد عُرف بالبحبوحة والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والفنّي، فإنّ بعض ما كان يجري في الكواليس لم يَرُق للزعنّي، الذي كان بدأ انتقاده لشمعون قبل وصول الأخير إلى الكرسي الأوّل في البلاد. لم تكد تمضي شهور على دخول الرئيس القصر الرئاسي حتى عاجله الشاعر بقصيدة وَرَد فيها:

"إلو بالقصر من مبارح العصر / ما حلّو يدوق حلاوة النصر / حولو وحواليه كل شي معسّر / ما في مسهّل ما في ميسّر / وِرتان مجلس نصّو مزوّر / ما كان يتنضّف ولا يتطهّر".


لكن سينتظر كميل شمعون طويلاً، ليحظى بأغنيته الخاصّة "إن كان بدّك تمشي ضدّي"، التي شاعت أيضاً بعنوان آخر هو "الشَّعر الفضّي" (نسبةً إلى لون شعر الرئيس شمعون). الأغنية أدرجها ناظمها وملحّنها روميو لحّود في مسرحيّته الغنائية الفكاهيّة السياسيّة "أوكسيجين" (1979)، وغنّتها بطلتها سلوى القطريب:

"إن كان بدك تمشي ضدّي / وتعرف عن أرضك تدافع / لازم تصبغ شعرك فضّي / وتغفى ع صوت المدافع. إن كان بدك تمشي ضدّي / لازم تحكم جمهورية / وتضلك حاكم وتحاكم / وتهدّ القوة الثورية / حتى لو ما بعدك حاكم. لازم تسهر 100 جمعة / وتعرف كيف وقتك تقضّي / ع ضو المدفع والشمعة / ع لمعة هالشعر الفضّي/ إن كان بدك تمشي ضدّي".


لكن لتصوير الأغنية للتلفزيون، طلب المخرج ألبير كيلو من المنتج ناهي لحّود، تعديل كلامها وتحويلها إلى وطنية صرف حتى يرضى التلفزيون ببثّها. نقل ناهي الطلب إلى شقيقه روميو، الذي استبدل المقاطع المرتبطة بالرئيس شمعون بأخرى، فصارت:

"إن كان بدك تمشي حدّي / وتعرف عن أرضك تدافع / لازم تحارب وتهدّي/ وتغفى ع صوت المدافع. إن كان بدك تمشي حدّي / لازم يبقى جبينك عالي / قلبك عالي وصوتك أعلى / تعرف إنّو تراب الغالي / بكلّ الدنيي ما في أغلى. لازم تسهر 100 جمعة / تعرف كيف وقتك تقضّي / ع ضو المدفع والشمعة / إنت اللي بدّك تمشي حدّي / إن كان بدك تمشي حدّي".



"إن كان بدّك" على أسطوانة مسرحية "اوكسيجين"




مالو الحلو مالو

حكاية الرئيس شارل حلو (من 23/9/1964 إلى 22/9/1970) مع الأغنية الخاصة به، تبدأ في مطلع ستّينات القرن العشرين، حين غنّى الموسيقار فريد الأطرش "مالو الحلو مالو". لاحقاً منح الأطرش المطربة فدوى عبيد حق أداء هذه الأغنية، فعرفت نجاحاً كبيراً وصارت تبثّها معظم الإذاعات العربية. ولمّا انتُخب حلو رئيساً للبنان، صار طلب الراغبين في الاستماع إليها أكبر. هنا تنبّه مسؤولو الإذاعة أنّ مطلع الأغنية يَرِد فيه:

"مالو الحلو مالو / مش زيّ عوايدو ليه / دا حبيبي مهما قالوا / مش ممكن أهون عليه / مالو الحلو مالو / مالو يابا مالو".

وارتأوا أنّ هذا الكلام من غير المناسب ربطه برئيس الجمهورية، فحُجبت الأغنية عن الهواء.



الله دبّر يا بو طوني

قد يكون الرئيس سليمان فرنجية (من 23/9/1970 إلى 22/9/1976) أحد أكثر رؤساء الجمهورية في لبنان الذين خُصّوا بأغنيات. ففي أرشيف "إذاعة لبنان" مجموعة أغنيات أنشدها له المطرب وديع الصافي. منها "للبنان للأبطال" (1971). وفي العام نفسه غنّى أيضاً:

"معنا حقّ إلنا حقّ / نحنا أهل الحرّيّة / وأنت الحقّ وسيف الحقّ / يا سليمان فرنجيّة".


ومن ألحان الصافي وكلمات الشاعر يونس الابن شاعت أغنية:

"الله أكبر الله دبّر يا بو طوني / الأرزة الخضرا رمز جهادك / صوت القدرة صوت بلادك / قلبك إلها وبتدلّلها متل ولادك / رمز بلادي الله اختارك / واعي غادي تحمي ديارك / أرضك حرّة بتبقى حرّة متل فكارك".


كذلك أنشد الصافي لفرنجية من كلمات يونس الابن أيضاً:

"بالريّس بلّش لبنان يعلا يعلا عالماضي / من حكمة أحلى سليمان مرتاح الشعب وراضي. ريّسنا شعبي وجبّار ابن الضيعة الأبيّة / إهدن بتصدّر أحرار ضلوع الأرزة مسميّة".


أما المطربة سميرة توفيق فغنّت للرئيس فرنجية عام 1970:

"يحيا عهدك يا سليمان / أخضر أبيض وين ما كان / عهدك جايي ع لبنان عيد وأحلى عيدية / قوم غني يا لبنان لرئيس الجمهورية".


خلال عهد الرئيس فرنجية أيضاً كانت سميرة توفيق، كلّما أدّت أغنيتها الشهيرة "بسّك تجي حارتنا" في حفلاتها، خصوصاً تلك التي أحيتها في إهدن أو زغرتا، تخصّه بالمقطع التالي:

"من بيت الدين لإهدن يا عيوني / مرقت سيارة حمرا / هاي سيارتك أبو طوني/ وأنا عرفتا من النمرة".


وثمّة أغنية أيضاً على اسم الرئيس فرنجيّة من كلمات ماجد المير، لحن وغناء محمد عرابي:

"وين رجال الحريّة والأرزة اللّبنانيِّة / تِشمَخ وتْهَنّي لُبنان بالرَّئيس فرنجيِّـة / انشالله بْعَهدَك يا سليمان / يا صاحِب مَبدا وإيمان / يتهَنّى ويِنْعَم لبنـان / بالوحدة الوطنيِّـة".



سركيس سركيسيان

الرئيس الياس سركيس (من 23/9/1976 إلى 22/9/1982) لم تُعرف له أغنية خاصة. لكن في السنة الأخيرة من عهده، برزت لفيلمون وهبي أغنية انتقادية تتهكّم من السياسيين اللبنانيين، وفي رأس اللائحة يرد اسم رئيس الجمهورية. الأغنية عرفت باسم "سركيس سركيسيان"... وبعد سرد أسماء أبرز سياسيي تلك المرحلة بطريقته الكوميديّة وما فيها من "لعب على الكلام"، يختم وهبي الأغنية بعبارة "هودي اللي باعوا لبنان".



وعد يا لبنان

لم تلتصق أغنية بشخصية سياسيّة وتعلق في الأذهان، كما أغنية باسكال صقر والياس الرحباني "وعد يا لبنان" التي خصّصاها للرئيس بشير الجميّل. لحن كان مقرّراً إطلاقه بكلمات مختلفة، مع استلام الرئيس المنتخب مقاليد الحكم في 23 أيلول 1982. لكن شاء القدر أن تكون أغنية وداعه بعد تعديل كلماتها إثر استشهاد الرئيس المنتخَب في 14 أيلول عند الدقيقة العاشرة بعد الساعة الرابعة من عصر ذلك الثلثاء.



جايي الشمس تعيّدنا

الرئيس أمين الجميّل (من 23/9/1982 إلى 22/9/1988) عُرفت في عهده أغنية للملحّن نور الملّاح سجّلها بصوته:

"يا شيخ أمين يا ريّسنا / اللي عالكرامة معوّدنا / بعهد الفرحة وعهد الخير / جايي الشمس تعيّدنا. عهدك ياعهد الإيمان / وعهد الفرحة وين ما كان / وطنك بوجودك خلّيت / الفرحة تعيش بكل بيت / بالعدالة سوّيتنا يا شيخ أمين يا ريّسنا".


وفي العام 1984 أطلق الفنان ألبير فرحات أسطوانة، من بين أغنياتها واحدة عنوانها "10452" نظمها مارون كرم ولحّنها إحسان المنذر:

"حدود بلادي معروفين / اللي مش سامع يسمع / 452 و10000 كيلومتر مربّع / وبدنا ياها كلّا / وغير لقدرة الله بلادي ما تركع".



من كتر ما حبّوه مدّدولو

مع الرئيس إميل لحود (من 24/11/1998 إلى 23/11/2004 ومن 24/11/2004 إلى 23/11/2007) يمكن اعتبار أنّ الغناء للرؤساء والشخصيات السياسيّة والأحزاب وحتى الأحداث المفصليّة البارزة، صار "موضة". افتتح المرحلة الجديدة، الموسيقار ملحم بركات الذي غنّى عام 1998 من ألحانه وكلمات الشاعر نزار فرنسيس "من فرح الناس".


وفي خطوة نادرة خلال مشوارها الفنّي، دخلت الشحرورة صباح "بورصة" الغناء "الشخصي" في بداية عهد لحّود، فغنّت من كلمات ميشال جحا وألحان نجله جوزيف:

"غنّوا وعلّوا هالأويها القوس تسلمها باريها / وخلّوا الزينة تعمّ بلادي من جبالا حتى شواطيها. نشكر الله الحق تجلّى / وغمر الفرح بلادي كلّا / القيادة صارت محلّا / العالم كلُّن قالوا أهلا / خيّال الزرقا وراعيها".


مع التمديد للرئيس لحّود عام 2004، أعاد ملحم بركات الكرّة فأنشد "من كتر ما حبّوه مدّدولو". وغنّى المطرب نهاد طربيه أيضاً "هالله هالله قائدنا / فيك بتكمل وحدتنا / لقدومك فرحانة الناس / تعلا وتشمخ أرزتنا. لقدومك كلّ الساحات / ترقص تضوي بالرايات / والسحر بهاك العبسات / بنسّينا غربتنا".



عيد ومصالحة

الرئيس ميشال سليمان (من 25/5/2008 إلى 24/5/2014) "بلّش" مع أغنية للفنانة مادونا شاركها فيها المغنّي بشير ساسين من كلمات عمرو وألحان هيثم زيّاد. عنوانها "بلّش عيدك يا لبنان":

"بلّش عيدك يا لبنان / ننزل عالساحة ملايين / رقص ودبكة بالميدان / عجقة وصبايا حلوين / ونشبك إيد وعَلَم بإيد / يرفرف بالعلالي".


وللمناسبة شاءت الفنانة نانسي عجرم دعم أجواء "المصالحة" في البلد، والتي أنتجت انتخاب سليمان، بأغنية. فأدّت بالمصريّة "رسالة للعالم" من كلمات عوض بدوي وألحان وليد سعد.


ومن المفارقات المرتبطة بالأغنيات في عهد الرئيس ميشال سليمان، أنّ في تمّوز 2011 أُوقف المغنّي والموسيقي زيد حمدان على خلفية إنتاجه أغنية تحمل عنوان "جنرال سليمان"، يقول في نهايتها "Go Home". القضيّة انتهت بإطلاق سراح المغنّي بعد إتمام التحقيقات والإجراءات القضائيّة.



بيّ الكلّ

إصدار أغنيات خاصة بالرئيس ميشال عون (من 31/11/2016 إلى 31/11/2022) لم يكن أمراً جديداً عليه ولا على اللبنانيين. انتخابه رئيساً شهد دفقاً للأغنيات من الفنانين "المناصرين" لتيّاره. وسام الأمير غنّى "يا جنرال / يا دولة الرئيس / يا فخامة الرئيس / كل الألقاب زغيري عليك / حامل أحلام الكل بعينيك / يا اسم بحجم الوطن / عم ننطر إلنا زمن / وأماني الشعب وأحلامو كلّا بإيديك".


الفنان نادر خوري غنّى "فجر جديد هلّ علينا بأنوارو / ع نهجك عون فرحوا كل اللي ساروا / الشعب العنيد اللي عندو قايد متلك / قمر ونجوم بيشعّوا من أفكارو".


ومن كلمات حبيب يونس وألحان جهاد حدشيتي أنشد الفنان زين العمر "بيّ الكلّ". أما معين شريف وكارول عون فغنّيا "رمز الشعب" من كلمات نزار فرنسيس وألحان سمير صفير. ومن أغنيات ذلك العهد "طلّ القائد عون الكلّ" لملحم زين، "طلّيت" لعامر زيّان، "وحدك على وعدك بتضلّ" لسمير صفير، و "عماد الجمهورية" لطوني كيوان.


وفيما كان عون يغادر القصر الجمهوري مع انتهاء ولايته، أُطلقت أغنية كتبها نزار فرنسيس ولحّنها عبده منذر وأداها كورس، بعنوان "تارك قصر بعبدا وراجع تتسكن بقلوب الناس".



اليوم، أو قريباً، قد يخرج من "ساحة النجمة" رئيس الجمهورية الرقم 14. أياً يكن هذا الرئيس نحيله إلى "وصايا الرئيس"، الأغنية التي كتبها ولحّنها غدي الرحباني عام 2008 للفرسان الأربعة. فلتكن أغنية عهده ولتصِر تلك "الوصايا" بنود "خطاب القسم".