تكشف التحوّلات الكبرى التي تعصف بلبنان والإقليم وتلقي بظلالها على المشهد السياسي في لبنان أنّ نقطة الضعف والخاصرة الرخوة في المواجهة مع المشروع الإيراني في البلد هي الواقع السنّي الفاقد للبوصلة وللأولويات والضائع بين طموحات التغيير وهوابط النزعات الشخصية والمصلحية لعدد من النواب السنة الذين جاؤوا على ظهر التغيير وركبوا موجة المواجهة لقوى الأمر الواقع واستغلوا توق الرأي العام لتجديد الحياة السياسية، فكانوا نموذج الانقلاب على ناخبيهم ومثال الخيانة لأمانة التمثيل السياسي والوطني.
ومع تكريس التحولات المحلية بعد مغامرة "حزب الله" في حرب الإسناد الوهمية، ثم انقطاع دابر "الحزب" بعد إسقاط نظام بشار الأسد من قبل إدارة العمليات العسكرية في سوريا، ما زال كثير من النواب السنة تحديداً، والمرجعيات الدينية والاجتماعية... يتصرّفون وكأنّ شيئاً لم يتغيّر ويسلِّمون بأنّ "الحزب" ما زال هو القوة الأكبر في لبنان وعلى هذا الأساس يجري حساب المواقف السياسية، وفي هذا قصور ما بعده قصور، وعجز عن فهم الواقع، وربما يكون السبب هو أنّ أكثر هؤلاء المتخلفين عن مواكبة الوقائع الجديدة عجزهم عن فهمها وإدراك أبعادها واستيعاب تداعياتها.
من هنا أصبح واضحاً أنّ التغيير في الواقع السنّي أصبح ضرورة سنية لاستعادة التوازن والحضور، وإعادة بناء الطاقات والقدرات والمواقف، وهو ضرورة وطنية لأنّ الشراكة الوطنية تستوجب شريكاً سنياً كامل الأوصاف والشرعية، وضرورة عربية لأنّ العمق العربي لا يكتمل لبنانياً إلاّ بالمكوِّن السني الفاعل، وضرورة دولية، لأنّ أهل السنة في لبنان هم أهل الدولة وحصنها في وجه التطرف والإرهاب.
ومع تسارع الأحداث، بدأت الساحة السنية تشهد حراكاً بين النخب المستقلة التي تتداعى للتلاقي والتشاور والبحث في سبل توحيد الرؤية والمشروع وكيفية تظهير القدرات الكامنة والكبيرة والفاعلة على المستويات السياسية والتنموية والاجتماعية والتكنولوجية والدينية... وهنا يختلط التفكير بين الدمج مع بعض المكونات القائمة، وبين البناء الجديد باعتباره ضرورة وبالنظر إلى أنّ الكيانات القائمة لم تستطع التقدّم لمواكبة التطورات الجارية في لبنان والمنطقة، وأصيبت بجمود عطّل أدوارها العملية.
وفي مقاربة واقعية لهذا الحراك، نعتقد أنّه يجب الفصل بين مسألتين:
ــ الأولى: التشاور وتبادل الآراء، وهذا يمكن أن يشمل الجميع.
ــ الثانية: القرار والبناء، وهذا يجب أن يُبنى على قواعد جديدة، من الأجيال التي عبرت إلى مساحات التغيير والتطوير.
الأرجح أنّه لا يمكن الدمج بين الفئتين نظراً لوجود فوارق وتباين في النظرة للواقع وكيفية اتخاذ القرار، فالكيانات القائمة مصابة بعوائق الجمود والاعتبارات التنظيمية الخاصة بكلّ منها، وهي الاعتبارات التي حالت سابقاً دون تحقيق تقدّم ملموس في اتجاه توحيد الرؤية السنية الوطنية، رغم بروز تهديدات وجودية تطال واقع السنة في لبنان ربطاً بالمدّ الإيراني في المنطقة.
ما يحتاجه السنّة اليوم قيادة جَماعيّة شبابية فاعلة، تستقي الحكمة من "شيوخ" أثبتت الأيام مصداقيّتهم في النزاهة والشفافية والحرص على الصالح العام، بعيداً من فكرة "الزعيم الأوحد" التي كانت السبب في تحطيم مكتسبات السنة وتفريق طاقاتهم وخسارة حضورهم الوازن في الدولة وخارجها.
تلوح الآن فرصة حقيقية للنخب السنية بالتحرّك الذي يجب أن يكون سريعاً وواضحاً في مساره وأهدافه وآلياته، بعيداً من التردّد والمراوحة في مساحات النقاش النظرية التي لا تؤدي إلى شيء سوى خسارة الوقت والفرص المتاحة، وعلى النُّخب المنتظرة أن تكسر قيد الانتظار، فالآن هو وقت العمل قبل ألّا يعود ينفع الندم على التثاقل في الخطى وعلى انتظار أن ينجز الآخرون عنا ما يجب علينا القيام به واجباً أصيلاً عن أنفسنا وعن المجتمع والوطن.