سامر زريق

تهافت يتّسم بغياب المشروع السياسي

السنّة يتحرّكون على وقع التغيير السوري

9 دقائق للقراءة

طوت المناطق السنية صفحة "طوفان الأقصى" وتأثيراتها الوجدانية والسياسية بسرعة مذهلة، بعدما فرض التغيير السوري إيقاعه على لبنان والمنطقة بأسرها، حيث نُسِيَ السنوار وأزيلت صوره، ولم يعد أبو عبيدة، الناطق باسم "كتائب القسام" هو "حبيب الأمة"، إنما قائد التحول في سوريا، أحمد الشرع، والذي صار رمزاً لكسر "الإحباط السني" الذي هيمن لردح طويل من الزمن.



سرعان ما ارتفعت صور "فاتح سوريا" في شوارع وساحات عدد من المناطق، بالتوازي مع ديناميات سياسية في الشارع السني بدأت بالظهور على وقع اللحظة السورية، وتشمل كل ألوان الطيف المجتمعي السني، إسلامية، تقليدية، علمانية، ستتفاعل أكثر في القادم من الأيام من أجل فرز أجساد سياسية جديدة، أو قديمة يعاد إحياؤها من جديد.



القوى الإسلامية

أسرع القوى تفاعلاً كانت الإسلامية، ولا سيما "السلفية" منها، والتي بقيت على موقفها الداعم لـ "الثورة السورية"، والمحتضن للنازحين. وكان لها دور بارز في إفشال الموجة المفتعلة التي قادها "حزب الله"، بالشراكة مع حركة "حماس"، لتوظيف مفاعيل "طوفان الأقصى" من أجل خلق "وحدة إسلامية" مصطنعة تصبّ في خدمة أهداف المشروع الإيراني.



هذه القوى اعتبرت ما حصل في سوريا انتصاراً للنهج السلفي في ظل انتماء "هيئة تحرير الشام" إليه. لذا كانت أول جهة لبنانية تجتمع بقائدها أحمد الشرع، الذي أوضح لضيوفه أن الانتصار الذي تحقق ليس سلفياً، ولا سنياً خالصاً، بل هو تحوّل كبير سيغيّر وجه المنطقة، ومشروع سياسي يستوعب جميع الفئات، إلّا من أبى، ويعيد تقديم الإسلام السياسي بوجه معتدل يوائم بين التمسك بالقيم الإسلامية والبراغماتية السياسية.



في المقابل، لم يكن غريباً أن تتصدر "السلفية"، بشقّيها السوري واللبناني، اهتمامات الآلة الإعلامية الممانعة، من ناحية حياكة وتطريز المواضيع المثقلة بالشائعات والإسقاطات الفجة، على حساب الحرب في غزة التي صار ذكرها لماماً، ما يدفعنا إلى توضيح بعض الأساسيات التي تضيع في زحام هذه "الهوجة"، على حد تعبير المؤرخ المصري الشهير عبد الرحمن الجبرتي.



"السلفية" هي حركة إصلاحية تروم العودة إلى منابع الإسلام التقليدية في الفقه والعقيدة، وتركّز على الجانب الديني بأبعاده الثقافية والاجتماعية، وفق تأويلات صارمة بعض الشيء، وتنبذ السياسة إلا في حالات ضيقة واستثنائية. من رحمها ولدت "السلفية الجهادية"، وهي قديمة، لكنها صعدت في المنطقة غداة حركة الإحياء الإسلامي التي انطلقت تحت تأثير هزيمة عام 1967، والتي أدت في نهاية المطاف إلى ولادة النظام الخميني.



ويُعد الباحث والدكتور السعودي علي العميم من أكثر من عملوا على تفنيد ونقد أفكار الحركات الإسلامية بنهج علمي رصين عبر مقالاته وكتبه، مبيّناً أن مصدر الفكر الجهادي الحديث، الذي تنسبه غالبية الباحثين للمفكر الإسلامي الراديكالي سيد قطب، يعود في الأصلإلى رجال دين مسلمين في "شبه القارة الهندية"، وكان السبب في ظهوره مقاومة الاستعمار البريطاني.



المهم أن "السلفية الجهادية" تنامت في مصر في سبعينات القرن الماضي، ثم تطورت في العقد التالي نتيجة الاستثمار الأميركي - الغربي فيها لمواجهة الاتحاد السوفياتي. وتحوّلت في التسعينات إلى جبهة عالمية تقودها "القاعدة". غداة أحداث "11 أيلول" في أميركا وما نجم عنها من احتلال العراق، ظهرت "السلفية التكفيرية" كاتجاه أكثر راديكالية، بداية من حركة أبو مصعب الزرقاوي، وصولاً إلى تنظيم "داعش".



والحال أن المدرسة "السلفية"، شأن أي مدرسة دينية أخرى، نشأ على يمينها الكثير من الاتجاهات والنظريات التي أسهمت في تشويهها. ولمعرفة مدى التشويه الذي أصابها تكفي الإشارة إلى أن هذه المدرسة التي تعود في جذورها إلى الإمام أحمد بن حنبل، الذي ينسب إليه أحد المذاهب الفقهية الأربعة عند السنة، هي مذهب غالبية أهل الخليج، ما خلا سلطنة عُمان وأجزاء من اليمن.



لا مشروع سياسي سلفي

وتكتمل دورة التشويه في سوريا بالذات، الذي يحتضن ترابها من ضمن ما يحتضن من المقامات التاريخية، ضريح ابن تيمية، وهو عالم إصلاحي يعد من الشخصيات المركزية في الفكر السلفي ويلقّب بـ "شيخ الإسلام". في حين أنه يلقّب من قبل خصوم السلفية بـ "مفتي الإرهاب"، في إسقاط مشوّه سببه قيام الحركات التكفيرية باقتطاع نزر يسير من إرثه الضخم، وإعادة تأويله بشكل مبتسر لتسويغ الفكر التكفيري على يد جهات تفتقر بالأصل إلى الأهلية العلمية.



وما تفعله هذه الحركات لا يعدو كونه سوى اغتيال مستمر لابن تيمية، الذي رفض إغراءات السلطة، رغم العروضات المغرية التي دانت له، وتوفى في السجن وفي دمشق بالذات. هذا الاستطراد الطويل لا بد منه في هذه المرحلة بالذات، من أجل دحض الأسلوب الدعائي المتبع من محور الممانعة، مفكرين وإعلاميين، ولتبيان أمرين:



الأول، أن "هيئة تحرير الشام" مرّت بتحوّلات ومراجعات خلال السنوات الماضية، أفضت إلى إعادتها من كنف "السلفية التكفيرية"إلى "الجهادية"، وصولاً إلى المدرسة "السلفية" التقليدية، وتأهيلها لإنتاج نظام حكم معتدل وتشاركي برعاية عربية وإسلامية. ومعيار التشاركية ليس قاصراً على القوى التي ستشترك في إدارة الحكم، بل يشمل القدرة على التكيّف مع معارضة متنوعة المشارب في البرلمان والمجتمع. والنقطة الأهم هي الدور المركزي لـ "دمشق الجديدة" في إنهاء السلفية بنسختَيها "التكفيرية" و"الجهادية"، وهو تحدّ شديد التعقيد والصعوبة، بعدما تحولت أرض سوريا إلى "واحة" للجهاديين من مختلف أصقاع المعمورة.



الثاني، إذا كانت امتدادات التغيير السوري بوجهته السنية على الساحة اللبنانية أمراً تفرضه الجغرافيا، فإن ذلك لا يعني أبداً تقدم "السلفية" لتصبح قطباً سياسياً، ولا سيما أنها ليست مؤطرة ضمن تيار فكري واحد، بقدر ما هي حالة متجذرة في المجتمع السني، ينضوي تحت عباءتها عدد من رجال الدين، بينهم بالطبع من لديه طموحات سياسية، لكنها لا ترقى لأن تكون مشروعاً سياسياً. وحتى "هيئة علماء المسلمين" ليست ممثلاً لـ "التيار السلفي"، بل تجتمع فيها عدة مدارس فكرية إسلامية، وتتكامل مع "دار الفتوى" في تأدية أدوار لا تريد الثانية الانغماس فيها بالكلّية، كي لا تصبح طرفاً في مرحلة شديدة الحساسية تفرض عليها الحفاظ على موقعها الوسطي، فكرياً وسياسياً ووطنياً.



تفنيد هذه الزاوية المُراد منه تسليط الضوء على وجود حالة شعبوية الطابع، تلتحف بغطاء سلفي مستعار، تحاول الإفادة من التهافت السني الحاصل لتصدر الشارع، وتكمن الإشكالية حيالها في سهولة استثمارها وتوظيفها من الأجهزة الأمنية، وجهات سياسية، كما حصل في أحداث سابقة، بعضها مأساوي، بما يتيح تحميل السنة أوزاراً لا قِبَلَ لهم فيها.



وحينما ذهب بعض رموز هذه الحالة إلى سوريا، لم يتكمنوا من الاجتماع مع أي مسؤول في قيادتها الجديدة، ولو كان من الدرجة العاشرة، بما يعكس مدى هامشية هذه الحالة، والتي كانت تسعى للحصول على صورة لتوظيفها بغية ركوب موجة الشارع.



ومع ذلك، فإن هذه الحالة تستغل بعض العناوين الجذابة على الساحة السنية للتقدم إلى الواجهة، وعلى رأسها قضية "الموقوفين الإسلاميين".



التهافت السياسي

لذلك تدخلت دار الفتوى بقوة لسحب القضية من الشارع ومزايداته، وعملت على التنسيق مع نوابٍ سنّة لمناقشته بشكل جدي في أروقة البرلمان. بيد أن لهذا العنوان جاذبية هائلة، استندت إليه الديناميات السياسية السنيّة الناشئة، حيث احتل موقعاً ثابتاً في خطاب كل الجماعات التي تحركت مؤخراً، سواء كانت تقليدية أو تغييرية، منها "تيار المستقبل" الذي سارع إلى ربط الحدث السوري بعودته إلى الحياة السياسية من بوابة رفع "المظلومية السنية"، وكأنه لم يكن في الحكم لسنوات كان فيها ملف الموقوفين في عهدته. والأمر نفسه ينسحب على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الساعي إلى تجديد إقامته في السراي الحكومي، والذي ينشط كعادته في سياسة بيع المواقف التي تناسب الجميع. فيسرب عبر شبكات ناشطين ممولين منه وجود اتصالات مع قائد التحول في سوريا أحمد الشرع، قبل الإشكال الحدودي، بموازاة حرصه على دوزنة الموقف الرسمي بالتنسيق مع "حزب الله" وأطراف خارجية، في وصفة "ميقاتية" أخذها عنه وزير داخليته لينافسه على سلطان السراي.



كذلك الحال بالنسبة للقوى والشخصيات الموالية لمحور الممانعة، بشقية السوري "البعثي" والإيراني، والتي تشعر بتهديد جدي لحضورها السياسي نتيجة الهزيمة النكراء التي ضربت المحور، دفعها إلى العمل على استنهاض الصفوف، والتستّر خلف عناوين شعبوية في محاولة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي. تقول إحدى الشخصيات البقاعية "البعثية" العريقة لـ "زميل" تسعى لجذبه نحو حراكها "رقبتنا بالدق"، في تعبير يعكس حجم الخطر الوجودي الذي يشعرون به.



مقابل تحرك قوى ومجموعات ثورية، ولدت من رحم "انتفاضة 17 تشرين 2019"، ترفع العنوان نفسه، وشعارات أخرى جذابة وفضفاضة، تنطلق من ضرورة انعكاس التغيير السوري على لبنان، وخصوصاً على الصعيد السني. لذلك كثرت الندوات واللقاءات، لكن الإشكالية التي تتسم بها هي الارتجالية واستعجال القطاف دون وجود مشروع سياسي متماسك، حيث يغلب الطابع الفردي عليها بشكل أدى إلى خروج مواقف معارضة من شركاء سابقين في المسار نفسه، استنكروا غياب التنسيق والتفرّد بالرأي والقرار، والأهم إعادة استخدام الأدوات نفسها التي أثبتت فشلها.



لكن تحرك هذه المجموعات لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة ضغوطات غربية على أفرقاء المجتمع المدني لاستغلال اللحظة الراهنة من أجل تعويم نفسها، وتسويق أفكار معينة، وإن كان بعضها مثيراً للجدل. حتى أنه ثمة من تربطهم علاقات وثيقة ببعض السفارات لم يقوموا بجهد يذكر سوى ترجمة بيان مرّر إليهم، في ما يعكس حجم التكلّس الفكري وضعف الإنتاجية.



ومع ذلك، ومهما كانت الدوافع والمبررات، تبقى الدينامية السياسية والاشتباك مع التحولات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة أفضل بكثير من الانسحاب من الواجهة و"الانتظار على ضفة النهر". بيد أن التحدّي هو في مأسسة كل هذه الديناميات ضمن مشاريع سياسية ورؤى فكرية جماعية، تتنافس في ما بينها على اجتذاب الجماهير، من أجل دفع عجلة الدولة وتحريرها من براثن الدويلة، لا على الحصص وأحجامها وكيفية تقاسمها وهنا بيت القصيد.