اقترب "عزّو" من "بشير المعّاز" بسلاسة وحربقة وأقنعه بالدخول معه إلى مبنى البلدية ووعده بالتقاط صور له. لكنّ "المعّاز القبضاي" الطريف، رفض. جاء من الجرد إلى كفرغار ليشتري علبة سردين، عندها لمعت برأس عزّو "دزينة سردين لعيونك"، فجاء الردّ "إذا هيك بروح". وبدزينة علب سردين أنهى الأخوان رحباني حكاية "نجمة - أبو الكفّية" وخلّصاها من العقاب في فيلم "بنت الحارس".
رجاء لا يستهيننَّ أحد بعلب السردين، فبفضلها نجت فيروز البطلة التي لا تريد إلا أن يعود والدها ورفيقه صالح إلى حراسة كفرغار.
كثيرون منّا يذكرون عمّالاً، كانوا يقصدون الدكاكين الصغيرة في استراحة الغداء ليشتروا علبة سردين ورغيف خبز ويجلسوا في فيء أقرب شجرة ليتمتعوا بطعم السردين الحبيس الآتي من بلاد الغرب في علب عجيبة. علب السردين ومن بعدها علب التونة، عبوات "التنك" الصغيرة التي تختبئ في خزائننا وتنتظر بشغف لحظة المجد على المائدة، هل تساءلتَ يوماً عن قصة صعود تلك الأسماك من أعماق المحيط إلى عالم الشهرة المعلّب؟
كان يا ما كان، في زمن ما قبل الثلّاجات، كان الناس يبحثون عن طريقة تجعل السمك يبقى صالحاً للأكل بعد أن يودّع المحيط. هنا ظهر الفرنسي نيكولا أبيرت بفكرة عبقرية عام 1810: "لمَ لا نحجز السمك في علبة محكمة ونطهوه فيها؟". هكذا، وُلدت فكرة "الأبرتة"، أو كما نسمّيها اليوم: "علب الحفاظ على الحياة السمكية".
بعدها، قرّر جوزيف كولين، من مدينة نانت الفرنسية، أن يبدأ أوّل إنتاج للسردين المعلّب. ومنذ ذلك اليوم، صار السردين مثل نجم هوليوودي في فرنسا، يدخل علبته الصغيرة بكل فخر ليُصبح الوجبة المفضّلة للناس.
سمكة صنعت تاريخاً
السردين في فرنسا كالباغيت، كلاهما ضروري لإكمال اليوم. منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، بدأت مصانع التعليب بالانتشار مثل السردين نفسه، خصوصاً في مقاطعة بريتاني. كان البحّارة يصطادون السمك، وزوجاتهم يضعنه في العلب بكل عناية، وربما بدمعة صغيرة على فراق كل سمكة! أصبحت مدينة نانت العاصمة الرسمية للسردين المعلّب، لكنّها تركت الإنتاج الكثيف لجيرانها في جنوب فينيستير، لأنهم كانوا أكثر حماساً لإغلاق العلب. بحلول عام 1853، بدأت الشركات الفرنسية تصدير السردين إلى أنحاء العالم، وبدأت العلب تأخذ مكانتها كرمز للفخامة في الطعام الفرنسي. عام 1920، أنشأ بعض الشركات مثل "Conserves La Belle Iloise" و "Sardines la Pérouse"، علامات تجارية شهيرة في صناعة السردين المعلّب، والتي لا تزال تُنتج هذه الأنواع إلى اليوم.
وبينما كان السّردين يجوب بحار العلب بشهرته العتيقة، ظهرت التونة المعلّبة في منتصف القرن العشرين كنجمة جديدة في عالم المعلّبات. فجأةً، بدأت تزحف إلى المائدة اليومية بأناقة، حتى وصلت إلى القصر الملكي البريطاني نفسه... نعم، حتى الملكة إليزابيث الثانية لم تستطع مقاومة جاذبيتها!
من السوق إلى القصر
التونة، تلك السمكة الكبيرة والمغرورة، انتظرت حتى القرن العشرين لتقرّر أنها تريد علبتها الخاصة. ومع دخولها الأسواق، جلبت معها طابعاً عملياً وطبقياً: "أنا طويلة العمر، مغذّية، ويسهل فتحي بأداة معدنية".
في العام 1942، ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية شركة "Starkist" مثل فارس التونة، تضع السمكة داخل علبة وتقول: "هنا طعام المستقبل!" ومع حلول الخمسينات، أصبحت التونة المعلّبة الخيار المفضل في أميركا والعالم. لكنّ المفاجأة الكبرى؟ الملكة إليزابيث الثانية كانت من عشاقها!
"قصة حبّ" الملكة للتونة بدأت مع ميني سندويشات التونة الشهيرة التي كانت تُقدَّم لها خلال جلسات الشاي الملكي. كانت السندويشات صغيرة الحجم ومليئة بحشوة التونة الناعمة والمخلوطة بقليل من الزبدة والليمون. قيل إنّ الملكة كانت تفضلها دافئة قليلاً وتتناولها بابتسامة خاصة، وكأنها تحتسي معها جرعة من البهجة.
ملكة الحداثة VS أيقونة التراث
بين الستينات والسبعينات، أصبحت التونة المعلّبة عنصراً أساسياً في كل منزل. الأُسر العاملة وجدت فيها حلاً سحرياً، وجبة اقتصادية، لذيذة، وسريعة. ظهرت في السندويشات، السَّلطات، وحتى في الأطباق المبتكرة التي تفاجئ الجميع.
لكن هل تنازل السردين عن عرشه بسهولة؟ بالتأكيد لا. السردين، خصوصاً في البرتغال وفرنسا، يظلّ جزءاً من الثقافة الشعبية. في حين أنّ التونة، بتنوع استخداماتها، غزت كلّ وصفة حديثة وأصبحت رمزاً للمرونة.
وعلى الرّغم من هذا الصراع الأبدي بين التونة والسردين، تبقى القصة الملكيّة هي الأجمل: سندويش التونة الصغير الذي جعل الملكة إليزابيث تقول، ولو بشكل غير مباشر: "حتى الطعام البسيط يمكن أن يكون ملكيّاً".
العلب ليست للأكل فقط
هناك أشخاص يحبّون جمع علب السردين أكثر من حبّهم لأكلها. نعم، هذه حقيقة! في فرنسا، تُقام معارض تجمع هواة السردين. بعضهم يطارد علباً قديمة عمرها أكثر من 100 عام، بحثاً عن تصاميمها العتيقة وقصصها التاريخية. إذا كنت تعتقد أنّ هذا غريب، فانتظر حتى تسمع عن أسعار هذه العلب في المزادات!
قد تكون فرنسا "الأم الروحيّة" للسّردين المعلّب كما كانت "أمنا الحنون"، لكن جيرانها في إسبانيا والبرتغال أخذوا الفكرة وأضافوا عليها لمساتهم. اليوم، تُعتبر علب السردين والتونة جزءاً من ثقافتهم الوطنية. مصانعهم تعلّب السمك بحبّ وفنّ، لدرجة أنك قد تشعر أنّ السمكة تخرج من العلبة وهي تتباهى "أنا مصنوعة يدوياً!".
هواة جمع المعلّبات
هواة جمع علب التونة والسردين؟ نعم، عددهم ليس بقليل، ولديهم قصص طريفة ومجموعات مذهلة.
فالياباني المتحمّس تاكيشي يامادا، يمتلك أكثر من 1000 علبة حفظ! بدأ جمعها في الثمانينات، ويحبّ بشكل خاص العلب القديمة والنادرة. تاكيشي لا يكتفي بجمعها، بل ينظّم معارض ليشارك شغفه مع الجمهور. هل تخيّلت يوماً أنّ علبة سردين يمكن أن تصبح نجمة معرض؟
أما ماري سميث، الأميركية العاطفية، فقد بدأت هوايتها بعد أن ورثت مجموعة جدّها من المعلّبات. الآن لديها أكثر من 800 علبة، وهي مولعة بالتصاميم الفنية والألوان الزاهية. بالنسبة لها، كل علبة تحمل ذكرى وتاريخاً.
من جهتهه الإسباني الفخور كارلوس غارسيا، بدأ جمع علب التونة منذ طفولته بعد أن ألهمه جدّه بقصص الصيد. الآن يمتلك أكثر من 600 علبة، ويفخر بمجموعة علب التونة المزخرفة التي صمّمها فنانون محليّون.
هذه العلب الصغيرة التي تجذب الكثيرين لجمعها تحمل أيضاً بداخلها كنوزاً غذائية. كالتونة، بطلة البروتينات وأحماض أوميغا 3 وعلى الرغم من دراسة أُعلن عنها في نهاية تشرين الأول الماضي، تؤكد وجود زئبق بشكل كبير في معلّباتها فإنّ عشاقها لم تطلهم الخشية منها بعد. أما السردين، فهو كالجدّ الحكيم، مليء بالكالسيوم وفيتامين د.
هل تعرف قصة السردين الذي أغلق ميناء مرسيليا، لا؟ هذا ليس سرباً من أسماك السردين ولا معلباتها محمولة في اليمّ، بل سفينة اسمها "السردين" علقت في مدخل ميناء مرسيليا عام 1780، وسبّبت أزمة مرور بحرية. منذ ذلك الحين، أصبحت القصة مثالاً للطرافة.
سواء كنت من عشاق السردين المعتّق أو التونة اللذيذة، لا شكّ أنّ هذه الأسماك المعلّبة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا. وراء كل علبة قصة، ووراء كل سمكة رحلة طويلة من البحر إلى المائدة. لذا، في المرة المقبلة التي تفتح فيها علبة، تذكّر أنك تتعامل مع قطعة صغيرة من التاريخ المالح. وإن كنت تمتلك علبة سردين قديمة في حالة جيدة، فقد تصبح مليونيراً! نعم، فالهواة مستعدون لدفع مبالغ خيالية للحصول على علب حديدية ذات تصميمات نادرة.




