تمرُّ الطائفة السنية في لبنان بمنعطف تاريخي دقيق، تتشابك فيه التحولات الإقليمية من سقوط بشار الأسد إلى تراجع هيمنة إيران، ويصطدم بغياب القيادة السنيّة الجامعة، ما يحوّل موقع رئاسة الحكومة إلى ساحة صراع بين قيادات تمثل رؤى متباينة، ويُبعد الطائفة عن استعادة دورها كحجر أساس في التوازن الوطني.
في الوقت الذي تبدو فيه الساحة اللبنانية متأهبة لتحولات إقليمية قد تعيد خلط الأوراق، تبقى الطائفة السنيّة منقسمة على ذاتها. يتجلّى أثرها بشكل واضح في ملف تشكيل الحكومة، ويحتدم التنافس بين شخصيات عدة، أبرزها رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي والنائب فؤاد مخزومي. هذه المعركة السياسية ليست مجرّد خلاف على تكليف تقليدي، بل مرآة للواقع المضطرب الذي تعيشه الطائفة، والذي يتّسم بفقدان البوصلة وتشتت النفوذ.
يمثل ميقاتي القيادات التقليدية، المتهمة يإدارة السلطة بمنطق فردي، مستفيدة من غياب البدائل داخل الطائفة. يعتمد ميقاتي على شبكة علاقاته التقليدية ونمطه البراغماتي، والمعروف بدهائه السياسي وقدرته على إدارة التوازنات، حيث نجح حتى الآن في البقاء على رأس السلطة التنفيذية، معتمداً على تحالفات عابرة للطوائف، فيما يواجه انتقادات واسعة داخل الطائفة السنيّة، لا سيّما من الأوساط الشعبية، التي ترى فيه تجسيداً لمنظومة سياسية تُحمَّل مسؤولية التدهور الحالي.
في المقابل، يحاول النائب فؤاد مخزومي كسر النمط التقليدي للسنّة في الحكم، وتقديم نفسه كأحد الوجوه الجديدة، متكئاً على خطاب يحاكي تطلعات شريحة واسعة من اللبنانيين المنزعجين من الطبقة السياسية التقليدية. يواجه مخزومي تحديات جدية تتمثل في عدم قدرته على تجاوز النخب السنيّة التقليدية التي ترى فيه تهديداً لنفوذها.
التنافس القائم بين ميقاتي ومخزومي لا يقتصر على التباين في النهج السياسي فحسب، بل يعكس أيضاً حالة من الاستقطاب الداخلي الذي يُضعف قدرة الطائفة على فرض خياراتها في المشهد اللبناني.
مصادر نيابية سنية أشارت لـ "نداء الوطن" إلى أنّ "خيار تسمية ميقاتي أو مخزومي يبقى مرهوناً بالرؤية السعودية التي يلتزم فيها معظم النواب السنّة، وتصب في مصلحة لبنان واللبنانيين، وقد أثبتت التجربة أن خيارات المملكة الرئاسية التي تمثلت في اختيار العماد جوزاف عون رئيساً، ستنسحب على رئاسة الحكومة وتشكيلها، وهي سلّة متكاملة تحمل توجّهاً جديداً للبنان"، مضيفةً أن "ميقاتي أعطى من خلال تجربته الحكومية الأخيرة المملكة الثقة في كونه رجل المرحلة، وينال الرضى العربي والدولي، وكل الإشارات تدلّ على إعادة تسميته".
في خضم الصراع على رئاسة الحكومة، يجد السنّة أنفسهم أمام مفترق طرق، ويبرز إدراك متزايد داخل الطائفة، أنّ الفرصة سانحة لاستعادة موقعهم في قيادة لبنان، وما يحتاجونه ليس فقط التمثيل في رئاسة الحكومة، بل مشروع سياسي شامل يعيد صياغة دورهم في لبنان بعد الهيمنة الإيرانية. مشروع يقوم على خطاب وطني جامع يضع السنّة في موقع ريادي.
تقف الطائفة السنيّة اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، لكنها تبقى مثقلة بواقع داخلي مشتّت، إذا أرادت العودة إلى دورها الطبيعي، عليها تجاوز صراعاتها الداخلية، والعمل على بناء مشروع وطني، والفرصة سانحة، لكنها تتطلب وحدة داخلية، رؤية واضحة، وقيادة جريئة تستطيع التحرّر من قيود الماضي وتستعد للمستقبل.