ريتا عازار

كتاب "أنا إيرانية" لمنى جعفريان

شهادات نسائية عن النضال ضد القمع

6 دقائق للقراءة

تعد منى جعفريان، الناشطة الفرنسية - الإيرانية والمؤسِّسة المشاركة لجمعية "الحرية للمرأة"، من الأصوات البارزة المدافعة عن حقوق النساء الإيرانيات. من خلال كتابها باللغة الفرنسية "أنا إيرانية"، الذي صدر في تشرين الثاني 2024 عن دار نشر "أوبسرفاتوار"، تقدّم جعفريان شهادة مؤثرة عن معاناة المرأة الإيرانية تحت حكم النظام الديني القمعي. يروي هذا العمل قصصاً حيّة لـ 12 امرأة إيرانية شجاعة قرّرن كسر الصمت والإضاءة على التحديات اليوميّة التي يواجهنها في بلد يفرض قيوداً صارمة على حرية النساء وحقوقهنّ الأساسية.



في كتابها "أنا إيرانية"، تقدّم جعفريان عملاً متميّزاً يجمع بين التوثيق الشخصي والبحث الاجتماعي. يسرد الكتاب قصص نساء إيرانيات يتحدّين القمع اليومي الذي فرضته الجمهورية الإسلامية منذ ثورة 1979، كاشفاً أوجه التمييز المنهجي والوحشية التي تواجهها النساء في إيران. من خلال شهادات صادقة ومؤلمة، يضع الكتاب القارئ في قلب المعاناة، لكنّه يبرز أيضاً الشجاعة المذهلة التي تتحلى بها النساء الإيرانيات في معركة التحرر.



المنفى والارتباط بإيران

تفتتح منى جعفريان كتابها بمقدّمة شخصية، تسرد فيها كيف هربت عائلتها من إيران أثناء الثورة الإسلامية. تركت والدها في طهران لتعيش في فرنسا، لكنّها ظلّت على صلة عميقة بوطنها الأم، حيث كانت تزوره باستمرار. وتعبّر عن ازدواجية ثقافية عاشت فيها بين الانفتاح الفرنسي والقمع الإيراني.


لحظة التحوّل في حياة جعفريان جاءت مع وفاة مهسا أميني في أيلول 2022، التي قُتلت على يد الشرطة الأخلاقية بسبب "ارتداء غير لائق للحجاب". تصف الكاتبة كيف دفعتها هذه المأساة لتكريس حياتها للنضال من أجل حقوق المرأة الإيرانية، مشيرةً إلى أنّ النساء هنّ المحرّك الأساسي للثورة الإيرانية الحديثة، التي يُلخصها شعار "امرأة، حياة، حريّة".



باريسا: النضال من داخل الأسرة

باريسا، إحدى النساء اللواتي تحدّثن مع جعفريان، تقدّم شهادة مروّعة عن القمع المزدوج: قمع النظام وقمع الأسرة. نشأت باريسا في كنف أب صارم، عضو في الحرس الثوري الإيراني، والذي فرض عليها ارتداء الشادور ومنعها من أبسط مظاهر الحرية. تعرّضت للعنف والتحرّش الجنسي منذ سن الخامسة، صمتت طويلاً عن الاعتداءات التي عانت منها، أما انتحار شقيقها بعد خلاف مع والدهما فكان نقطة تحوّل مأسوية في حياتها. وقد حاول والدها تزويجها قسراً في سن الرابعة عشرة لرجل "متديّن". بدعم، وإن خجول، من والدتها رفضت باريسا هذا الزواج وواجهت الضغوط والتهديدات إلى أن تمكّنت من فسخ الخطبة، متحدّيةً الأعراف العائلية والاجتماعية التي تجعل قرارها هذا محفوفاً بالمخاطر.


على الرغم من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، حقّقت استقلالها بالعمل والتمسّك بحقوقها رافضةً الاستسلام للنظام الأبوي. تحلم باريسا بإيران حرة وعادلة. تؤمن بأنّ التعليم والتضامن هما السبيل لتغيير مستقبل بلادها. شهادتها تسلّط الضوء على شجاعة النساء الإيرانيات في مواجهة الظلم. قصّتها تُظهر أنّ التحدي لا يقتصر على النظام السياسي، بل يمتدّ إلى النظام الأُسري الذي يُكرّس الهيمنة الذكورية.



غزال: الفن كأداة للتمرد

غزال، شابة تبلغ من العمر 28 عاماً، تستخدم موهبتها كفنانة وشم ومغنية لتحدي النظام. تعمل غزال في الخفاء، حيث يُعتبر الوشم من المحرّمات وفقاً للقوانين الإيرانية. تزيّن أجساد زبائنها برموز مثل الأسد والشمس والفرافهار (رمز زرادشتي)، وهي رموز تمثّل الهوية الإيرانية ما قبل الثورة الإسلامية.


إلى جانب الوشم، غزال مغنّية تواجه قيوداً صارمة تحظّر على النساء الغناء علناً. ومع ذلك، تواصل تسجيل أغانيها ومشاركتها عبر الإنترنت، متحدّية النظام ومخاطرة بحياتها. تصف غزال الحياة في إيران كسجن بسماء مفتوحة، لكنّها ترى في الفن وسيلة لتحرير الروح وتعزيز الأمل.


قصة غزال تضيء على كيفية تحوّل الأنشطة اليومية، مثل الفن والموسيقى، إلى أدوات مقاومة فعّالة. من خلال شجاعتها، تُبرز غزال أهمية الثقافة والفن كجزء من النضال الإيراني ضد القمع.



فرحناز: العائلة في مواجهة النظام

تمثّل "فرحناز" جانباً آخر من النضال، حيث تسلّط الضوء على التأثير المدمّر للنظام الإيراني على العائلات، فشقيقها معتقل بتهم سياسية ملفّقة، ما أدخل العائلة في دوامة من الخوف والترهيب.


تعرضت أسرة فرحناز لمضايقات وتهديدات من النظام. تجسّد قصّتها معاناة الأسر الإيرانية التي تدفع ثمن الظلم السياسي. على الرغم من الألم، تواصل فرحناز النضال من أجل العدالة، مشيدةً بدَوْر النساء الإيرانيات اللواتي يتحمّلن عبء التحديات اليومية. تصف زيارات السجون والضغوط الاجتماعية التي تُفرض على العائلات لممارسة الصمت. تحلم بإيران ديمقراطية خالية من الاستبداد، حيث يمكن للناس العيش بكرامة وسلام. رسالتها دعوة للتضامن الدولي مع الشعب الإيراني في كفاحه من أجل الحرية.


تظلّ فرحناز قوية، وتدعو إلى الوحدة في مواجهة الظلم. تؤكّد أنّ المرأة الإيرانية، على الرغم من أنها غالباً ما تكون ضحية القمع، أصبحت محور النضال من أجل الحرية.



امرأة حياة حريّة

يسلّط الكتاب الضوء على الثورة التي أشعلتها وفاة مهسا أميني، والتي تختلف عن أيّ احتجاجات سابقة. النساء كنّ في الخطوط الأمامية، يحملن شعارات مثل "امرأة، حياة، حرية". هذه الحركة لم تقتصر على المطالبة برفع القيود عن النساء، بل أصبحت دعوة شاملة لإسقاط النظام برمّته.


ما يميّز هذه الثورة هو الشجاعة الهائلة التي أظهرتها النساء الإيرانيات، حيث أزلن الحجاب علناً، وواجهن قوات النظام بصدور عارية من السلاح. يصف الكتاب كيف تحوّلت المظاهرات إلى لحظة تاريخية وحّدت الشعب الإيراني بكل أطيافه ضد القمع.



عدم غضّ الطرف

في خاتمة الكتاب، توجه منى جعفريان نداءً للمجتمع الدولي لدعم نضال الشعب الإيراني. تؤكّد أنّ النساء الإيرانيات يحتجن إلى أكثر من التضامن الرمزي، كقصّ خصل الشعر. فهنّ بحاجة إلى دعم سياسي واقتصادي حقيقي يضغط على النظام الإيراني ويناصر قضيّتهن.


كتاب "أنا إيرانية" صوت يحمل آمال الملايين من الإيرانيات والإيرانيين الذين يحلمون بحياة حرة وكريمة. من خلال قصص النساء مثل باريسا، غزال، وفرحناز، تُظهر جعفريان أنّ النضال من أجل الحرية ليس سهلاً، ولكنه ضروري. هذا الكتاب ليس فقط توثيقاً للمعاناة، بل هو أيضاً رسالة أمل وإلهام. إنه دعوة للعالم ليقف بجانب الشعب الإيراني في معركته من أجل الحرية، وليدرك أنّ النضال ضد الظلم هو مسؤولية إنسانية مشتركة.