جنى جبّور

أوجاعكم ليست وهماً...

حين يتحول الألم النفسي إلى عوارض جسدية

4 دقائق للقراءة
توقّف... وتوجّه إلى الطبيب النفسي

في أعماق اللغة العامية اللبنانية، تختبئ قصص ألم لا تُحكى. كلمات بسيطة مثل "حرق لي قلبي"، "كسرلي ظهري"، "اختنقت"، "انقطع نفسي" و"ما عم بقدر إبلع"... تتجاوز كونها مجرد تعابير مجازية، لتتحول إلى مرآة عاكسة لمعاناة شعب بأكمله، وصرخة صادقة تعبر عن عمق الألم وشهادة حية على العلاقة الوثيقة بين الجسد والنفس. فهل انتبهنا يوماً إلى ما تخبرنا به أجسادنا عن صحتنا النفسية؟



لا نحتاج إلى تشخيص مرض نفسي خطير لنعاني من عوارض جسدية. فمشاكل الحياة اليومية، مثل مشكلة عائلية أو ضغوط العمل أو مدير متحرش، زواج تعيس أو ولد عاق، يمكن أن تؤدي إلى عوارض جسدية مزمنة، مثل الاكتئاب، الرهاب، القلق، الذهان واضطراب ثنائي القطب... ما يدخل الكثيرين بدورة زيارة الاطباء من مختلف الاختصاصات والخضوع إلى الفحوصات المتنوعة والأشعة والنواضير من دون اكتشاف سبب عضوي واضح لهذه العوارض، لينتهي الأمر بخلاصة على شاكلة: "ما في شي هيدا كلو برأسك".


"هنا، عليك التوقف. والتوجه إلى الطبيب النفسي المختص"، يؤكد بروفيسور الأمراض النفسية في جامعة "نيوميد" و" هاريتاج"- أوهايو عادل زرعة، قائلاً: "الإنسان كائن متكامل، يتفاعل فيه الجسد والنفس بشكل وثيق. فما نشعر به نفسياً ينعكس على أجسادنا، والعكس صحيح. وقد لاحظ الإغريق هذه العلاقة منذ القدم، كما تجلى ذلك في مفهوم "الهيستيريا". تختلف طرق التعبير عن الألم النفسي باختلاف الثقافات والجنس. ففي بعض الثقافات، مثل الشرق الأوسط، يرتبط الألم النفسي غالباً بالأعضاء الداخلية مثل القلب والصدر والأمعاء الغليظة، خصوصاً عند الرجال. بينما ترتبط عند النساء بآلام الرأس والغثيان وفقدان الوعي الوظيفي".




دور المحيط


من الصعب جداً على المريض أن يميز بين الألم الجسدي الناتج عن سبب عضوي وبين ذلك الناتج عن مشكلة نفسية. ويشدد بروفيسور زرعة على الدور الحيوي الذي يلعبه المحيط في هذا الإطار "فالمقربون هم أول من يلاحظون التغيير في سلوك المريض أو شكواه المستمرة من آلام غامضة. لذلك، من الضروري تشجيع المريض على زيارة طبيب الصحة العامة للخضوع إلى فحص سريري دقيق، يوجه من خلاله إلى العلاج الطبي أو النفسي على حد سواء".



تماماً كما نتعامل مع الأمراض الجسدية المزمنة مثل السكري والضغط، يمكننا أيضاً إدارة الأمراض النفسية بنجاح، ويشير بروفيسور زرعة إلى أنّ العلاج لا يقتصر في الكثير من الحالات على الأدوية فحسب، بل يستفيد المرضى بشكل كبير من دمج العلاج الدوائي مع العلاج المعرفي السلوكي، حيث يعمل هذا التكامل على معالجة الجذور العميقة للمشكلة وتحقيق نتائج أكثر استدامة. كما هي الحال مع الكثير من الأمراض المزمنة، قد لا يكون الشفاء التام من بعض الحالات النفسيّة ممكناً، ولكن يمكن تحقيق تحسن كبير في نوعية الحياة من خلال العلاج المناسب".


صرخة استغاثة


وفي بلد مثل لبنان، حيث تتوالى الأزمات وتتزايد التحديات، من الطبيعي أن يعاني الناس من مشاكل نفسية. فالإنسان بطبيعته يتأثر بالظروف المحيطة به، وتراكم الصدمات والضغوط يؤثر بشكل كبير على نفسيته. ويشرح بروفيسور زرعة أنّ "الأمر لا يتعلق بكوننا أقوياء أم ضعفاء، بل بتأثير الظروف الصعبة على كل واحد منا"، خاتماً "رجاءً انتبهوا ولا تترددوا بطلب المساعدة النفسية ولا سيما بعد غياب الأسباب الطبية الواضحة لعوارضكم. فصحتكم النفسية مهمة تماماً كتلك الجسدية".



البروفيسور عادل زرعة



 

عينة من العوارض النفس - جسدية


ما هي الأمراض المختلفة (الأكثر شيوعاً) الجسدية التي تسببها لنا صحتنا النفسية؟


-القلب والشرايين: "ذبحة القلب المكسور"، التي غالباً ما تصيب النساء بعد فاجعة معينة، إضافةً إلى ارتفاع ضغط الدم وعواقبه.


-الرئة: ضيق النفس أو التنفس السريع، اللذان يسببان ارتفاع حمض أو قلوية الدم وازدياد نوبات الربو.


-الجهاز الهضمي: فقدان الشهية وخسارة الوزن مرضياً، أو العكس الأكل الشره وارتفاع سريع بالوزن. التقيؤ، التقرح المعوي، هيجان الكولون، الإسهال أو الإمساك.


-الجهاز العصبي: زيادة نوبات الشقيقة وأوجاع الرأس الأخرى، ضعف الذاكرة وقلة الانتباه، الرعشة والرجفة، الصرع الوظيفي، نوبات فقدان الوعي.


-الجهاز التناسلي: فقدان الرغبة، ضعف أو عجز جنسي، تبول لاإرادي ليلي.


-أمراض جلدية: التهاب الجلد العصبي، حكاك والشرى.


-العضل والمفاصل: ضعف وأوجاع لا سبب طبياً أو أساس عضوياً لها خصوصاً أوجاع الظهر والرقبة والكتفين.