في 20 كانون الثاني 1976، وقعت مجزرة الدامور التي شكّلت منعطفاً خطيراً في حرب لبنان (1975-1990)، وسقط فيها أكثر من 600 ضحية. في اليوم التالي للمجزرة، دخلت مراسلة صحيفة "السفير" نجاح القاضي، وعاينت أهوال المجزرة، من غير أن تتمكّن من التعبير عن كامل مشاهداتها. وبعد ما يقارب 48 عاماً، أفرجت عمّا اعتمل في ذاكرتها خلال قيامها بعملها الصحافي في الأشهر الأولى للحرب اللبنانية، من ذكريات مؤلمة في كتاب، صادر عن "دار سائر المشرق"، بعنوان "شظايا ذاكرة: ذكريات صحافيّة حرب".
عشية الذكرى 49 للمجزرة، تنشر "نداء الوطن" مقتطفاً من الفصل المتعلّق بمجزرة الدامور المعنوَن: "إنهم يغتصبون المدينة".
[...] كان يوم أمس حافلاً بالأحداث الدامية، وأضاع فريقنا الصغير حدثاً هاماً وصلتنا أخباره متأخّرة. وعلمنا أنّ تغطيته الإعلامية لم تكن شاملة في الصحف لعدم التمكّن من الوصول إلى مكان الحدث بسبب القصف المدفعي واستخدام الأسلحة الثقيلة. لم تحدث اشتباكات كبيرة بين الطرفَين، بل ساعد القصف المُركّز على احتلال المنطقة بكاملها وفرار عناصر "الوطنيين الأحرار" بواسطة قوارب مطّاطية. كانت مهمّتنا سهلة وواضحة. جولة في المدينة الساحلية، طرح بعض الأسئلة على من يوجد من مسؤولين ومسلّحين، ثم المرور على القرى المجاورة والتقاط أقوال الناس.
[...] قبل الوصول إلى الدامور، أخذت حركة السير المعاكسة تزداد. وكنّا كلّما مررنا بقرية ساحلية، نلاحظ كثرة المُشاة والكلّ يحمل أشياء منزلية منوّعة... نسير بين الحطام، ننتقل بحذر. دماء ترافق خطواتنا، نحاول قدر الإمكان وبعفوية المؤمن تجنّبها...
وقفنا أمام حائط لبيت من القرميد قضمت قذيفة جزءاً من سطحه. كان الحائط أبيض اللون وفي منتصفه تقريباً توجد بقعة حمراء تسيل منها خطوط متموّجة بعض الشيء ونقاط تتناثر حواليها لتؤلّف في نهاياتها شعاعاً باهتاً أحمر اللون، ومن البقعة تنحدر كشلّال خفيف المياه وحتى أسفل الجدار، دماء جافة...
شدّتني بقعة الدماء إليها، اقتربت قليلًا، ولم أنتبه لمقاتل يتّجه صوبي إلّا عند سماعي صوته يشرح سبب وجود الدماء على الحائط، وبرأيه أنّ قوّة القصف الذي أصاب البيت، قذف بحيوان ما إلى الحائط وهذه آثاره. سألت: "هل هو فعلًا حيوان وأين جثّته؟". نظر إليّ بأسف وطلب مني عدم الاقتراب كثيراً من بقعة الدم فقد بدأ يتخثر. وكنتُ قد اقتربت، لم أعد قادرة على التنفّس، أدرت وجهي وقاومتُ التقيؤ قدر المستطاع.
ابتعد المقاتل وهو يتمتم كلمات اعتذار. وكانت المرّة الأولى التي تتعرّف حاسة الشم لديّ على رائحة الدماء بهذه القوّة، وبكلّ أسف احتفظت بها حتى اليوم. ورحت أبحث عن أكرم. كان بعيداً يلتقط الصور ويرفس بغضب كلّ ما تلمسه قدمه. عندما شاهدني، تساءل عن سبب شحوب وجهي "وجهك أصفر على أبيض، شو صار؟" أخبرته ورفضت العودة إلى الجدار، من غير الممكن نشر الصور.
[...] كان كمن ينام بطمأنينة في فراشٍ هيّأته له أمه بعد عودته من سفرٍ طويل. الوجه يواجه السماء الزرقاء النقية. العينان مغمضتان، الحاجبان يحملان آثار عبوس عادي لشاب في مقتبل العمر. شعره الأسود متوسّط الطول يتطاير في الهواء الربيعي. والجسم كلّه ممدّد في مساحة وسط بين باب منشرة يحترق داخلها وحائطٍ قديم يشكّل سوراً لحدودها مع الطريق العام.
على هذا الحائط شبه المهدّم، يرتاح مقاتل لم تغمض عيناه منذ أيام، يأكل سندويشاً بشراهة من لم يذق طعاماً منذ زمن، وأمامه في الساحة الصغيرة، يرتاح شاب، جميل الوجه، طويل القامة، كان يعمل في منشرة العائلة، يتحدّى العالم في موته، مغمضاً عينَيه للمرّة الأخيرة!
لاحظ المقاتل اقترابنا وسألنا: "من أنتم؟" "صحافة"، أجاب أكرم، وأضاف المقاتل: "لقد كانت معارك عنيفة". وشرح كيف استخدموا القذائف الثقيلة، وكيف انسحب الطرف الآخر، وهرب بواسطة قوارب بحرية. أجبتُه بصوت حاولتُ أن يكون طبيعياً، وأضفتُ إليه ابتسامة، وأنا أنظر إلى جثّة الشاب: "هو لم يهرب!". لم يهتمّ المقاتل بملاحظتي، بل أخرج سندويشاً آخر، وراح يقصّ علينا ما حدث...
- هذا الشاب أمامك، لم يهرب، قلت، ماذا كان يفعل هنا وهو يرتدي ملابس مدنية؟
- آه، هذا الغبي، أراد الدفاع عن المنشرة.
- هل كان يحمل سلاحاً؟
- طبعاً لا، أراد إقناعي بعدم حرق المنشرة. ورفض أن يسكت، هذا الغبي!
- لماذا أحرقت المنشرة؟
- أنتِ فتاة ولا تفهمين المعارك والحروب.
- اشرح لي كي أفهم.
- حسناً، عندما ينتهي الهجوم وتسقط المدينة، علينا تمشيط المكان كلّه.
- لم أفهم جيداً...
- يعني أنه من الضروري تنظيف المدينة من الأعداء، من كلّ مقاتل.
- الآن فهمتُ، شكراً، ولكنّ المنشرة كانت فارغة، ونستطيع أن نرى من الخارج كلّ ما ومن فيها، هل هذا صحيح؟
- صحيح، لكن قد يوجد مقاتل أو أي شخص خلف الألواح الخشبية أو داخل الخزائن وسواها.
- أخبرني، ماذا حدث لهذا الشاب، كيف مات؟
- أراد إقناعي بعدم حرق المنشرة، وأن العائلة وضعت كلّ ما تملكه لشراء أدوات جديدة، كما استدانوا مبلغاً كبيراً من المصرف وأكّد لي أنه وحيد في المنشرة ويكفي أن أدخل لأتأكّد من كلامه و... نسيت الباقي... هذا الغبي.
- لماذا لم تدخل؟!
- آه النساء، طبعاً لم أدخل، وهل أنا غبيّ كي أدخل مكاناً أجهله، من يدري، قد يكون هناك كمين أو عبوة ناسفة...
- وهكذا أحرقت المنشرة، ولكن هذا الشاب لم يمت قتلاً، لا أثر للدماء، كيف مات؟
- لقد أراد منعي من حرق المنشرة، فقتلته. لا دماء، صحيح، ومن يحتاج لرصاصة لقتله! أجابني بصوت هازئ بعض الشيء.
شعرت بالاختناق وأدرتُ وجهي باتّجاه أشجار الليمون والبحر خلفها. سمعتُ صوت أكرم، ثم صوت آلة التصوير تلتقط الصور. وعلا صوت المقاتل يخاطبني، أنه يحب أخذ صورة معي، لكن الأوامر تمنع السماح بالتصوير. ولم يسمح لنا بتصوير جثّة الشاب. ابتسمتُ وقلت، سؤال أخير:
- هل نستطيع وضع جثّة الشاب أمام مدخل المنشرة وإبعادها عن الطريق العام؟ هكذا يعرف من سينقلها أنها لشخص من المنشرة ويعرفون هويته.
- ممنوع لمس الجثّة، أجاب بحدّة.
- لماذا؟ هو ميت بكلّ الأحوال، وأعتقد أنه يفضّل البقاء في المنشرة.
- لقد قلت، لا... لا.
تغيّرت لهجة الصوت. بدأ قلبي يخفق بشدّة، لكنني أردت الخروج من الحوار ببعض الربح. أردت أن يتحوّل موت شاب إلى بطولة، وأن تتحوّل البطولة إلى تراجيديا لموت يدافع عما يحب، عن حقٍ وأرضٍ ووطن، عن منشرة. قلتُ: "كما تشاء، ولماذا لا ننتهي من هذه الجثّة ونضعها داخل المنشرة، لتحترق معها؟".
كانت إجابة المقاتل سريعة ومخيفة. لقد قفز عن الحائط بقامته الطويلة. نظر إلينا بعينَين تطلقان النار، وسمعنا صوت رصاصة تدخل مخزن السلاح، والكلاشينكوف يتّجه ناحيتي، وصوتاً يرتفع بلهجة غريبة لا أعرفها، ليعطي أمراً مُهدّداً موجّهاً إلى أكرم أكثر منه لي: "أوقف التصوير وإلّا كسرت الآلة. وخذ هذه الصحافية من هنا وابتعدا بسرعة عن مرمى سلاحي. ولا أريد سماع كلمة واحدة ولا أريد رؤيتكما أبداً بعد اليوم. هيا بسرعة وإلّا ستصبحان جثّتَين. ابتعدا"، صرخ.
