يوسف طراد

"المجدلية ويسوع" لملحم الرياشي:

بين التقليد والتدوين الخلاصُ واحدٌ

3 دقائق للقراءة
عرفنا مع المجدليّة أنّ كلمة المحبّة مرادف لكلمة الله

كيف كانت حياة السائرين إلى العلى مع الجوع والعطش والخطيئة، وهل لهم سوى رجاءٍ واحدٍ، ألا وهو مشاهدة سرمديّ الوجود؟ ففي كتاب "المجدليّة ويسوع" لملحم الرياشي، الصادر عن "دار سائر المشرق"، امّحاءُ الزمن في الخاطر، وذهولٌ عن معنى الوجود.

وقعٌ تهادى عبر صيوان أذنٍ، فتراقص رهيفُ طبلتها. فلا صواعق ولا تفجّر براكين يوازيان وقع كلمة السيّد على شغاف قلبٍ رقيقٍ، كقلب مريم المجدليّة. وقد علّقنا الرياشي بذيل الروح، لنصغي إلى حكمة من خلق الريح. وها نحن على باب محرابه، نقف مع مريم الخاطئة. وحكمًا، منّا من يلج، ومنّا من يقع على العتبة، ومنّا من يعود. فالربّ وحده يحدّد المواقيت.

ربط الرياشي الحياة بخير خلاصٍ، ونقلنا، خلال روحانيّة القصّة، من أزليّ موتٍ إلى أبديّ وجودٍ، مُظهرًا كم عاندت المجدليّة في سبيل بلوغ الخلاص، ولم تحطّم الخطيئة رأسها. فهل هي حكمة الربّ التي رسمت طرقًا عديدةً لنيل الخلاص؟ فدَور الإيمان فاق أدوار هذه الفانية، وتجاوزت الخاطئة عقبات الحياة وذلّلت التعرّجات... فشاهدت رُحب الطريق من خلال بابه الضيق المؤدّي إليه: "لم تكن شرّيرة، كانت جائعة... والجوع، حين يطول، يأكل الأخلاق كما يأكل الجسد. ومع ذلك... كان في داخلها شيءٌ لم يمت. شيءٌ صغير، عنيد، يرفض أن يُطفأ. كجمرة تحت الرماد، تنتظر نسمةً واحدة لتشتعل". (صفحة 16)

هو نشيد مقدّس كتبه الرياشي حوارًا مع الذات الخاطئة، وقد فاق نشيدَ جميع المحبّين تعظيمًا وسحرًا وعذوبةً. وعرفنا مع المجدليّة، من خلال نشيده، أنّ كلمة المحبّة مرادف لكلمة الله. وكان الصلب في عصف الحبّ جمالا: "يا أبتِ، اغفر لهم... . ارتجفت مريم. كيف يمكن لمن يُقتل أن يغفر؟ في تلك اللّحظة، فهمت أنَّ حبّه لم يكن مشروطًا أبدًا، ولا حتى بالحياة". (صفحة 29)

نقرأ في كلّ تغيير عصمةً ونورًا، فالعين تبصر الخارج، وفي قسمات الجنى الروحي في رطبها يلوح الإيمان، ويستمرئ المرء محبّة المخلّص في بصائر الروح. فكم من أجسادٍ سقط بها الرشاد من عيون الحياة؟ فقد كتب الرياشي عن الخلاص برمزيّة الجسد الذي أصبح خادمًا للروح التوّاقة إلى الخلاص، وليس إلى اللذّة. فلم يكن ذلك الخلاص الذي تحدّث عنه شبيهًا بالخلاص من قدحٍ وذمّ، أو من جوعٍ طال. وكان كلامه أنفذ رؤيةً وأشدّ اختراقًا للآفاق والأهداف المترامية. فههنا البصر ليس بصر زرقاء اليمامة، لكنّه بصيرة تخترق الصدور وتعبر الوجدان، سواء أكان صدرًا حيًّا أو جسدًا ميتًا وهو على قيد الحياة. وبحسب الرياشي، فإنّ مريم المجدليّة فهمت لغةً لا تنطق بها الشفاه عند لقاء المخلّص بعد القيامة في اليوم الثالث، لذلك أتقنت لغة الروح التي تختلف عن لغات بني البشر كافّة. وارتفعت روحها مع السيّد قبل موت جسدها: "نحن نظن أنّ الجسد هو ما نراه، شكل، حدود، ملامح... لكن هذا ليس إلا القشرة التي اعتدناها. حين يتغيّر الحضور، ترتبك... لأنّ أعيننا لا تزال تبحث عن القديم". (صفحة 40)

في خماسيّته: "يهوذا الإسخريوطي الخائن البار!"، "سمعان القيرواني"، "لص الشمال"، "قائد المئة"، و "المجدليّة ويسوع"، دوّن الرياشي كلّ خيالٍ لم تُذكر تفاصيله في أي مرجع تاريخي أو ديني عن حياة هذه الشخصيّات، لكنّه ابتعد عن التقليد الشفهي الذي يقول إنّ مريم المجدليّة هي نفسها مريم التي خلّصها يسوع من الرجم، في قصّته الأخيرة "مريم المجدليّة ويسوع"، واتّبع التدوين الوارد في كتاب البشرى، الذي لم يجزم في هذا الموضوع. وبقيت القصّتان منفصلتَين خلال آياته في الزمان والمكان. فالذي كتبه الرياشي ينطبق على التقليد والتدوين، لأنّ الخلاص واحد.