ريتا عازار

حفيدة أودري هيبورن تدخل عالم الفن التشكيلي

إيما فيرير تُحيي إرث التضحية في معرضها الأول

6 دقائق للقراءة

تدخل إيما كاثلين هيبورن فيرير، حفيدة "أيقونة هوليوود" أودري هيبورن، عالم الفن التشكيلي بخطوات واثقة ومتفرّدة. وبينما يُحاط اسمها بجاذبية إرث جدّتها الأسطورية، تتجاوز فيرير ذلك بفضل رؤيتها العميقة وأعمالها التي تستلهم من الطقوس القديمة والطبيعة البريّة. في معرضها الأول "كبش الفداء"، المقام في "غاليري سابار كونتمبوراري" بنيويورك، والمستمر حتى 15 شباط المقبل، تكشف فيرير عن حساسيّة فنيّة تجمع بين الجمال والوحشية، وبين التأمل والاضطراب. معرضها انعكاس لرحلة شخصيّة وفنّية عميقة تمتزج فيها الروحانية، الميثولوجيا والتأمّلات الفلسفية.



ينبع عنوان المعرض، "كبش الفداء"، من مفهوم قديم عميق الجذور في التاريخ الإنساني. استقت فيرير الإلهام من دراستها لـ "الإلياذة" أثناء فترة تحصيلها العلمي في "جامعة هارفارد"، حيث تعرّفت على الطقوس اليونانية القديمة المرتبطة بالتضحية. مفهوم "كبش الفداء"، الذي يرمز إلى تحميل كائنٍ ما خطايا البشر أو أعباءهم وإبعاده ليطهّر المجتمع، أثار اهتمامها العميق، ودفعها للتعمّق في استكشاف العلاقات المتشابكة بين الإنسان، الحيوان والطبيعة.

تحمل لوحات المعرض هدوءاً سطحياً يخفي في طياته معاني عميقة، إذ تجمع بين الجمال والكآبة بطريقة تجذب المشاهد إلى التفكير والتأمل. إحدى أبرز اللوحات تُظهر كلباً يركض في طريق قروي تاركاً آثاراً ملطّخة بالدماء، بينما تُظهر لوحة أخرى ماعزاً جبلياً يقف بحزن على تلّة ترابية، ينظر بأسى إلى شخصية تبتعد عنه، وكأنه يعكس مشهداً من الألم والخذلان.



من أجل الشفاء

في لوحة أخرى بعنوان "ستعيد الشرّ إلى موطنه"، تستند إيما فيرير إلى طقس أشوري قديم يُجسّد فكرة التضحية من أجل الشفاء. ترسم مشهداً لضفدع تتساقط قدماه الملطّختان بالدماء على حقل ريفي محاط بإطار خشبي مزيّن بالزهور الذابلة، ما يعكس العلاقة المعقّدة بين الإنسان والطبيعة.

إذاً لوحات الفنانة التشكيليّة مشحونة بعاطفة وتاريخ عريقيْن. استلهمتها من طقوس التضحية القديمة، كتلك المذكورة في العهد القديم عن "كبش الفداء"، تأثرت أيضاً بلوحات كلاسيكية مثل "الكبش" (1854–1855) للفنان وليام هولمان هانت، و"حمل الله" (1635–1640) للفنان فرانسيسكو دي زورباران.



أسئلة وجوديّة

على الرغم من الطبيعة المعقّدة لأعمالها، إلا أنّ فيرير تحرص على أن تكون مفاهيمها قريبة من الجمهور. تقول: "لا أريد أن تكون أعمالي غامضة للغاية، إذا تمكّن شخص ما من الوصول إلى هذه الأسئلة العميقة التي طرحتها أو وجد تواصلاً شخصياً مع العمل، فإنها تكون قد أدّت مهمتها".



في حديثها عن هذه الأعمال، تقول فيرير: "الحيوان وثق بالإنسان، وهناك خيانة لهذه الثقة. لماذا يقوم البشر بهذا الأمر باسم الله؟ أين الله بالنسبة لهذا الحيوان؟ هل يدرك الحيوان الله في لحظاته الأخيرة؟".

هذه الأسئلة العميقة تعكس تأمّلات الرسّامة في الروحانيّة والإنسانيّة، حيث تسعى لخلق حوار بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان والحيوان.



من إرث الجدّة إلى الذات

إرث أودري هيبورن حاضر في حياة حفيدتها ليس فقط كشهرة أو مسؤولية، بل كمصدر إلهام فني. تتحدث فيرير عن الطريقة التي كانت جدّتها أودري هيبورن تغمر نفسها بها في أدوارها، خاصةً في أفلام مثل "قصة راهبة" و "انتظر حتى الظلام"، وتقول إنّ من المثير للاهتمام، من وجهة نظر فنّية، رؤية كيف أُلهمت بدور يختلف تماماً عن "الإفطار عند تيفاني".



هذا الالتزام بالبحث والعمق ينعكس في أعمال إيما فيرير التي تستند إلى دراسات متأنية عن التاريخ والفن القديم. كما أنّ نشاطها الإنساني كسفيرة وطنية لـ "مفوضيّة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" يُكمل مسار جدّتها في خدمة القضايا الإنسانية.



البحث عن الذات




بين الفن والإنسانية

تحلم إيما فيرير بدمج عالمها الفني مع دورها الإنساني قائلة: "أودّ أن أصل إلى مكان أستطيع فيه أن أمزج بين هذه العوالم وأواصل هذا الإرث (إرث جدتها) من خلال ممارستي الفنية".



فمن خلال لوحاتها التي تسبر أغوار الروح والطبيعة، ومن خلال نشاطها الإنساني، تسعى فيرير إلى ترك بصمتها الخاصة التي تجمع بين العمق الفني والإحساس الإنساني، وتكرّم إرث جدّتها بطريقة أصيلة ومتفردة.



ملامح أسلوب خاص

تعتمد فيرير في أعمالها على تقنيّات تجمع بين البساطة الريفية والعمق الفني. تستخدم قماش الجوت والكتّان المشغول يدوياً، ما يضفي على لوحاتها طابعاً أصيلاً وغير تقليدي. تحمل ضربات فرشاتها روحاً ديناميكية، وتخلق توازناً بين التفاصيل الدقيقة والمشاعر الخام.



في لوحة "مولود الكبش الجديد" (2024)، تُقدّم التشكيليّة الشابة مشهداً سريالياً لـ "ساحة تيرازا ماسكاني" في ليفورنو، حيث يعزّز وجود الكبش المولود حديثاً من الغموض الذي يغلف اللوحة. بينما في لوحة "في البحر" (2024)، تُبدع في تصوير العمق العاطفي والجسدي لمشهد مائي هادئ لكنه يثير الحنين.



صوت فني واعد

بفضل إرث غنيّ وتجربة حياتية متنوعة، تقف إيما فيرير اليوم كفنانة تسعى لخلق تأثير حقيقي من خلال فنّها ورسالتها الإنسانية. وبينما تخطو خطواتها الأولى في عالم الفن التشكيلي، يبدو واضحاً أنّ رحلتها تحمل وعوداً بمزيد من الإبداع والتأثير في المستقبل.



معرض "كبش الفداء" يمثّل بداية واعدة لها. من خلال لوحاتها، تسعى الفنانة التشكيليّة إيما كاثلين هيبورن فيرير إلى طرح أسئلة فلسفية عميقة حول الروحانية، التضحية، والعلاقة بين الإنسان والطبيعة. في الوقت نفسه، تستمر في بناء هويتها الخاصة كفنانة مستقلة، بعيداً عن ظلال إرث عائلتها الفني.




جوانب من سيرة

وُلدت إيما فيرير عام 1994 في سويسرا، بعد عام واحد من وفاة جدّتها أودري هيبورن. وعلى الرغم من عدم لقائها بها، إلا أنّ ظلّ هيبورن كان حاضراً بقوّة في حياتها. "أمضيت الكثير من حياتي أشعر أنني لا أعرف كيف أرقى إلى هذا الإرث. لكنني الآن فخورة جداً بكوني حفيدة أودري هيبورن. إنه جزء من هويتي وتجربتي الحياتية".

رحلة فيرير أخذتها من سويسرا، مروراً بلوس أنجلوس وإيطاليا، حيث التحقت بـ "أكاديمية فلورنسا للفنون"، وانتهاءً بنيويورك حيث درست في "جامعة SUNY Empire" وأكملت درجة الماجستير في الفنون الجميلة من "Central Saint Martins" في لندن. ومع كل هذه التنقلات، بدأت تدرك أنّ الطبيعة هي الملاذ الذي يغذّي ممارستها الفنية، فقرّرت الاستقرار في جبال الألب التوسكانية بعد جائحة كورونا، حيث انطلقت في رحلتها الفنية الجديدة، علماً أنها عملت كعارضة أزياء في مرحلة سابقة، وتدرس اللاهوت في جامعة أكسفورد.



الجدّة والحفيدة بعدسة المصوّر الجدّ والحفيد





عودة متواضعة