رماح هاشم

رأسمال لبنان طبيعته... وعناصرها أساسيّة لنمو الاقتصاد

وزارة البيئة في آخر سلم المُحاصصات

8 دقائق للقراءة
رأسمال لبنان بيئته

فيما تنشغل القوى السياسيّة والمعنيّون بتشكيل الحكومة في توزيع ما يُسمّى حقائب سياديّة وأساسيّة، يجري إهمال وزارات باتت تُعتبر في المفهوم العالمي من أهمّ الوزارات لتأثيرها المُباشر في جذب السيّاح وحماية البلدان من التوّحش الصناعي الذي يكاد يقضي على الكثير من مقوّمات العيْش السليم، وكما جرت العادة في لبنان فإنّ وزارة البيئة تُشكّل جوائز ترضيّة في توزيع الحقائب على القوى السيّاسيّة بدل أنْ تكون حقيبة تنافسية، نظراً لأهميّتها الاقتصاديّة. 



في موضوع تشكيل الحكومة يبدو أنّ "الكتل هي مَن تُسمّي وربما ستختار وزراء تقنيين. تاريخيّاً لم يكن السياسيّون يعيرون أهميّة لحقيبة البيئة ويتركونها كجائزة ترضية للأقليّات المذهبيّة أو لرؤساء الجمهوريّات والحكومات الذين لم تكن لديهم حصص أو للكتل الصغيرة، لأن الكتل الكبرى عادةً تُفتش عن الحقائب السياديّة والخدماتيّة. مرة وحيدة حصل استثناء وطالبت كتلة كبيرة بوزارة البيئة خلال فترة باريس 2 التي كان على جدول أعمالها إنشاء سدود ومحارق للنفايات، وكانت من حصة "التيار الوطني الحر" بعد أن طالب بها بقوّة لأنها كانت ستدير مليارات الدولارات. وقد استحوذت وزارتا الطاقة والبيئة على أكثر من 50 في المئة من أموال باريس 2. لذلك ولأوّل مرة حصلت منافسة من قبل كتل وازنة على "البيئة". أما في الفترات الأخرى فكانت الوزارة دائماً مهملة"، وفق ما تروي مصادر بيئية مُخضرمة.


"عمليّاً... سياديّة"

عمليّاً، توضح المصادر لـ "نداء الوطن"، أنّ "البيئة" أكثر وزارة سياديّة لأننا نتحدّث عن حماية أكبر رأسمال للبنان ألا وهو بيئته. جودة المياه وحسن إدارتها والهواء النقي والمساحات الخضراء... عناصر أساسية مثلاً لتنمية السياحة التي يعتمد عليها لبنان بشكل أساسي، أكانت السياحة البيئية أو الطبية. وبما أنّ مستشفياتنا تقدّم خدمات ذات جودة عالية، يقصدها المرضى للعلاج ومن ثم للنقاهة والاستجمام. يُضاف إليها التعليم الذي يجذب الطلاب من كل الدول للالتحاق بالجامعات اللبنانية نظراً لجوّها الفريد. كما يقصده السياح للتزلج شتاء والاستمتاع بالبحر صيفاً، وكل هذا يحتاج إلى عناصر بيئية أساسية مؤاتية. القطاعات تتقاطع مع بعضها، من السياحة إلى التعليم والصحة والزراعة إلى الطاقة والمياه وغيرها. رأسمال لبنان الطبيعة بالدرجة الأولى، والذي يُفترض أن نُحافظ عليه أوّلاً"..


"منظار استثماري"

وهنا تؤكّد المصادر، أنّه "بالرغم من كل ذلك لطالما كان التفكير دائماً بالبيئة من منظار استثماري، ولذلك المطلوب من وزير البيئة المُقبل أنْ يكون محافظاً، يحمي البيئة ولا يسمح باستثمارها حتى الاستنزاف كما يحصل الآن، أو أنْ يستثمر هو فيها. وهذه الإشكاليّة الأساسيّة التي لم تفهمها الأحزاب السياسية أو حتى الجمعيات البيئية التي كانت تعمل على القطعة وتقوم بمشاريع صغيرة أشبه بعمل القطاع الخاص الذي يبغي الربح... لكن لم تكن لديهم رؤية سياسية اقتصادية اجتماعية بيئية متكاملة".


"إنجاز أم تعيين؟"

وترى أنّه "إذا كان الرئيس المكلف هو الذي سيختار، فهل يختار وزيراً للبيئة على مثاله، أي صاحب علم وفكر بيئي؟ قد يكون ذلك إنجازاً. أم سيكون تعيينه ضمن الحسابات والحصص السياسية ليس إلا؟  عندها سنراوح مكاننا. والتجارب السابقة خير دليل، إذ أثبتت الكثير من المشاريع التي عملوا فيها أنهم أشبه بالمقاولين المشكو منهم في البيئة، خاصة عندما حصلوا على تمويل كبير، وبرزت التنفيعات وعمليات الفساد وقلة الشفافية والفضائح والخلافات بين بعضهم البعض، بدل أن يقدموا نموذجاً صالحاً ومتماسكاً وشفافاً في صرف الأموال وتوزيعها. لكنهم تستّروا على الموضوع لكي لا يخسروا مصداقيتهم أمام الجهات الممولة. ثم إنّ أي وزير للبيئة جديد سيصطدم بمدير عام البيئة، كما جرت العادة، الذي أفرغ الوزارة من كادراتها منذ ما يقارب 30 عاماً بسبب علاقاته الكيدية مع الموظفين، وأسلوبه في إدارة الملفات الكبيرة. إذ يعمل لمصلحة الشركات الكبيرة الملوثة كشركات الترابة ويحاسب ويُعرقل تلك الصغيرة ليظهر أنه ملتزم بحذافير القانون".



ليست مسألة وزير

"وصول التقني إلى مناصب حسّاسة في الدولة لا يبدو الحل الصائب كما يتوهم البعض"، حسب المصادر نفسها، "والدليل على ذلك الأكاديمي مدير عام البيئة. ربما البداية كانت جيدة، ولكن بقاء المدير العام في منصبه لفترة طويلة أمر سيئ. تبدأ بشيء وتنتهي بشيء آخر مختلف تماماً".



إذاً، ليست المسألة في أنْ يأتي الوزير من السياسة أو المجتمع المدني أو الدولي أو الأكاديمي... كل هؤلاء لديهم إشكالياتهم في هذه التجربة، حسبما تبين بشكل وبآخر. بالإضافة إلى تجربة أن يأتي الوزير من عالم رجال الأعمال كما حصل مع أحد الوزراء الذي كان يوقف فواتير البحص ولا يدفعها إذا وصلته شكوى على صاحب كسارة، بدل أن يعمل على المعاقبة والتنظيم. من هنا ضرورة الاقتناع بأن هذه الوزارة ليست خدماتية ولا استثمارية. لا بل مهمتها هي منع الاستثمارات المضرّة بكونها وزارة مؤتمنة على ديمومة الكوادر والحياة. على من يتولى حقيبة البيئة أن يختلف مع كل الوزارات والاستثمارات الكبيرة وأن يؤتمن على وزارة تفرض وجودها على المشاريع، خاصة الكبرى للقطاع الخاص وللدولة والتي تحتاج إلى تقييم بيئي إستراتيجي. على من يتولى هذه الحقيبة أنْ يحافظ على التنوع البيولوجي وعلى حياة الأنواع ليحمي النوع الإنساني.



"رؤية ووعي"

وتُشدّد المصادر على أنّنا "نحتاج إلى وزير يحمل رؤية ويعي ارتباط البيئة بالسياسة والسياحة والاقتصاد والاجتماع، وأن يكون له دور ثقافي ويشجع على الممارسات الحميدة، وعلى الحماية أكثر من أن يكون مهووساً بفكرة الاستثمار، أو أن يكون تابعاً لتيار سياسي أو حزب كي يتمكن من الاستفادة ويخدم. إذا كان وزير البيئة سيخدم فهذا يعني مساعدة المخالفين وتخفيف الغرامات للملوثين. بالعكس يجب أن يختلف مع الجميع وألا يكون له صاحب لا في التيارات السياسية أو الشركات أو كبار المصنّعين أو كبار الملوثين.. كما عليه أن يلعب دوراً إنقاذياً لا أن يستخدم البيئة من أجل الاستثمار أو الارتزاق أو التنفيع والمحسوبيات".



تكمن "أهميّة البيئة في الحماية كالمحافظة على جريان الأنهر ومنع التلوث ورفع دعاوى ضد التعديات وحماية الغابات من الحرائق، والقيام بإدارة للنفايات ووضع استراتيجية للتخفيف منها والتشجيع على الفرز وإعادة التصنيع".



"مفاعيلها اقتصادياً"

تؤكد المصادر نفسها، أن مفاعيل وزارة البيئة على المستوى الاقتصادي واضحة. المحميات مثلاً، تستقطب الزوار لمشاهدة الطيور النادرة وتصويرها. أليس هذا أفضل من تنظيم الصيد؟

كما أن الجدوى الاقتصادية من حماية البيئة والأنهار والينابيع والمسطحات المائية والأحواض الجوفية أهم من الجدوى الاقتصادية للصيد، لأنها خزان مهم جداً لنا وللأجيال القادمة. والجدير ذكره أننا لا نجد تحت الـ 800 متر نبعاً غير ملوث في لبنان وهذا خطير جداً. كما أن تلوث الهواء من أعلى النسب في العالم، والفاتورة الصحية الناجمة عن تلوث الهواء مخيفة. ويمكننا رؤية التلوث بالعين المجردة على شكل غمامة عن بعد 600 متر فوق مدينة بيروت. لذلك فإن موضوع تلوث الهواء خطر ويحتاج إلى ضبط وهذا يتطلب تغييراً في سياسات النقل، والتخفيف من الاعتماد على السيارات الخاصة، من خلال إعادة تفعيل القطار وتنظيم النقل المشترك والتي هي أقل كلفة على جيب المواطن وتخفّف من الانبعاثات المضرة. وبالتالي، على وزارة البيئة القيام بدراسة الأثر البيئي لقطاع النقل واحتساب كمية الانبعاثات وكلفتها على الفاتورة الصحية لاتخاذ الخيارات المناسبة".



"المولدات الخاصة"

يُضاف إلى كل ذلك، المولدات الخاصة، والتي هي حسب المصادر "أكبر مصدر لتلوث الهواء والتي يمكن معالجتها من خلال تشجيع الطاقات المتجددة وتطوير الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية وإنتاج الطاقة على الرياح، التي لم نركّب حتى اليوم أي محطة منها. وقد تمّ تلزيمها في عكار لكنها لم تتمكن من الحصول على تمويل بسبب عدم إنجاز القياسات الصحيحة والتأخير في إقرار القوانين المتعلقة بالطاقة المتجددة. هذه مهمة كبيرة جداً لحفظ الطاقة والتوفير في استهلاكها. كما أن لوزارة البيئة دوراً في وضع تقييم بيئي لسياسات المياه في لبنان، والتخفيف من الصرف على السدود ومعالجة مياه الصرف، لأن 80 في المئة من تلوث المياه العذبة سببه عدم معالجة مياه الصرف التي تختلط مع مياه الشفة. على وزارة البيئة تصحيح استراتيجيتها، وبدل إنفاق الملايين على السدود كان يجب إنفاقها على مياه الصرف، ومعالجة الشبكات المهترئة ومعالجة مياه صرف الصناعات".



وفي الختام، ترى المصادر أنّه "لدينا مواضيع مهمة من سلامة المياه والهواء والتربة والغذاء. النظام الغذائي يعتمد على البيئة، لأن في بعض المناطق يتم ري المزروعات بمياه الصرف الصحي، بالإضافة إلى المبيدات الكيميائيّة المستخدمة في الزراعة. بحيرة القرعون مثلاً غير صالحة للري أو الشرب. علينا أنْ نتعلم من تجاربنا. على وزارة البيئة أنْ تكون قوية قادرة على ضبط كل هذه الملفات وربطها ببعضها البعض وتقديم نصائح لكل الوزارات المعنيّة، والوعي حول أهميتها وخطورتها على القطاعات الاقتصادية والصحية، لأن من يحمي البيئة يحميها للجميع وليس لحزب معين أو لطائفة معينة".