راشيل علوان

انقسام داخلي ونظام هشّ

العراق وعرف "السلّة الواحدة" في البرلمان

4 دقائق للقراءة
العراق يشهد استقراراً أمنياً نسبياً رغم التأزم السياسي (رويترز)

لا يمكن لمن يراقب المشهد العراقي إلّا أن يلاحظ هشاشة النظام السياسي الذي بقي طوال السنوات الماضية أسير الانقسام والتشرذم والضعف والفساد، ما جعل قيام دولة عراقية فعلية مؤجلاً، "دولة منسجمة" كما يقول المفكّر الألماني جورج هيغل يسود فيها الاعتراف بحق الاختلاف، واحترام خيار الناس في شكل القيادة التي تسوسهم، وتُحلّ الخلافات فيها بقوّة الإقناع أو القانون.


وها نحن نرى نظاماً سياسياً في العراق مرتكزاً على أعراف سياسية لا على أسس شرعية قانونية، عاجزاً عن احتواء الصراعات بين القوى السياسية ومدّ جسور الثقة في ما بينها. ولعلّ جلسة البرلمان العراقي الأخيرة أكبر دليل على الانقسام الذي يطبع العملية السياسية في البلاد.

فبعد خلافات امتدّت لأشهر بين الكتل النيابية، ودفعت إلى إلغاء العديد من الجلسات نتيجة المشاجرات والسجالات لاعتبارات عديدة، في مقدّمها الصراع الطائفي، صوّت مجلس النواب العراقي ضمن "سلّة واحدة" على مشاريع القوانين الجدلية الثلاثة: الأحوال الشخصية، العفو العام، وإعادة العقارات إلى أصحابها.


قوانين "السلّة الواحدة" باتت شبه عرف داخل البرلمان العراقي في السنوات الأخيرة، فعندما يصعب حصول مشروع قانون جدلي على الغالبية لتمريره، يوضع في "سلّة واحدة" مع مشاريع قوانين إشكالية أخرى ليجري التصويت عليها. وهذا ما حصل في جلسة الثلثاء الماضي، إذ وضع مشروع قانون العفو، الذي يُطالب السنّة بتشريعه، في "سلّة واحدة" مع تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يطالب الشيعة بتمريره، فضلاً عن مشروع قانون إعادة الأملاك المصادرة إلى أصحابها في محافظة كركوك، الذي يطالب الكرد بتشريعه. ومشاريع القوانين هذه واجهت اعتراضات برلمانية وغير برلمانية، إلّا أن العفو العام تحديداً، أخذ حيّزاً كبيراً من السجالات والاعتراضات.


فقانون العفو طال انتظاره في العراق، لإعادة محاكمة عشرات آلاف السجناء من السُنة العرب، الذين اتّهموا بالإرهاب، كثيرون بينهم بطريقة كيدية، خلال فترة الحرب على تنظيم "داعش". وهو كان أحد أبرز مطالب القوى السياسية السنية التي اشتركت بتشكيل الحكومة الحالية قبل أكثر من عامين، واشترطت تضمينه في برنامج حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.


وتعهّدت كلّ القوى التي شاركت في تشكيل الحكومة بالإيفاء به، أبرزها "الإطار التنسيقي" الشيعي، الذي يمتلك الغالبية البرلمانية. إلّا أن هذا المكوّن كان المعترض الرئيسي على إقرار قانون العفو، وقد ذهب بعض النواب إلى حدّ استهداف رئاسة البرلمان. وبالتالي، لماذا الاعتراض على قانون اتفق وتعهّد الجميع على تمريره؟ الجواب هو انعدام الثقة بين القوى السياسية التي تشكّل المشهد السياسي العراقي، والتي لا تزال ترى في هذا النظام، مشروعاً لتقاسم السلطة والغنائم وليس نظاماً يؤسّس لعلاقة صحية بين الدولة والمواطنين.


من هنا، طالما أن القوى السياسية العراقية بكلّ طوائفها غير قادرة على إيجاد بيئة سياسية صحيحة تؤسّس لشراكات سياسية من دون الخوف من الآخر والتفكير بالمصالح الضيّقة، لا يمكن للنظام القيام بوظائفه.


وبالتالي، لا يمكن لأي حكومة إنتاج الحلول لكلّ الأزمات التي تعصف بالعراق.

وبخلاف ذلك، وعلى غرار الجلسة البرلمانية الأخيرة، لن يكون تشريع أي قانون في البرلمان العراقي سهلاً مع وجود معارضة غالباً ما تكون أبعادها طائفية. فالحلول تحتاج إلى منظومة سياسية تؤمن قياداتها بأنّ السلطة مسؤولية ومشروع سياسي وليست غنيمة. وإعادة بناء الدولة تتطلّب استعداد الجميع للقيام بتسويات سياسية وتقديم التنازلات. فهل الكتل البرلمانية المنقسمة داخل برلمان بغداد مستعدّة لتنازلات كهذه؟ حتى الآن لا شيء يشي بذلك أمام مشهد التأزم السياسي.