ريتا عازار

إعرف كلّ شيء عن لا شيء

هكذا تصبح خبيراً على الـ "Social Media"

6 دقائق للقراءة

في دنيا الـ "Social Media"، جميعنا خبراء في كلّ شيء: في الطب، الهندسة، السياسة، الطبخ، وحتى تربية النحل. إن كنت تريد الانضمام إلينا ودخول نادي العباقرة الرقميين، لا تقلق، "شبّيك لبّيك" دليل شامل الآن بين يديك، معه ستصبح خبيراً(ةً) لا يشقّ له غبار (إذهب و"غوغل" العبارة) في كل المواضيع، دون الحاجة إلى عناء الدراسة أو الخبرة. يكفيك هاتف ذكي، إنترنت سريع، وبعض الجرأة، لتتحوّل إلى مصدر موثوق يلجأ إليه الناس في السياسة، الاقتصاد، الصحة، وحتى الطبخ النووي.


مع دليل الخبرة هذا في وسائل التواصل الاجتماعي، لن تخشى بعد اليوم خوارزميات غريبة الأطوار وصيحات تتغيّر أسرع من قائمة تشغيل "سبوتيفاي"، بقليل من التنظيم، والكثير من الفكاهة، وبالاتكال عليّ يمكن أن تتقن هذا العالم، تابعني جازَتْك وسائل التواصل شهرةً ما بعدها شهرة.

عندما ترى نقاشاً حاداً عن الاقتصاد أو الصحة أو حتى مباريات كرة القدم، لا تفكّر كثيراً. ادخل فوراً، وابدأ جملتك بـ "كمختص في هذا المجال". لا تقلق إذا كنت لا تعرف الفرق بين الناتج المحلي والدخل القومي، فالناس يحبّون الثقة أكثر من المعرفة. لا داعي للقراءة أو البحث! انسخ مقالاً من "ويكيبيديا" أو منشوراً أو "بوستاً فايسبوكياً" طويلاً من شخص آخر، وأضف جملة ختامية من نوع "وهذا يؤكد كلامي!" تمام! الآن أصبحتَ مرجعاً علمياً.

إذا وجدتَ شخصاً يناقض رأيك، لا تردّ بالحجج. هاجمه، فالهجوم هو أفضل دفاع، لا تناقش، بل اكتب جملة مثل "واضح أنك لا تملك المعرفة الكافية"، أو "عُد إلى كتب التاريخ، ثم تعال وناقشني". هذا الأسلوب سيُسكت الجميع، حتى لو كنت أنت الذي يحتاج إلى قراءة كتب التاريخ.


تعابير ميتافيزيقية

عندما تشارك رأيك، ضع كلمات مثل "ديناميكية"، "تحليل معمّق"، و "النظرية النسبية". ليس مهماً إن كانت متناسقة أو في مكانها، المهم أن تبدو معقدة. نعم الجمهور يعشق الكلمات التي لا يفهمها، أضف عبارات مثل "التحليل الفوتوني"، و "معالجة البيانات الميتافيزيائية"، وستجد أنّ الناس يصدّقونك من دون طرح أية أسئلة ومن دون أن يغنّي لك أحد "متى أشوفك ميتافيزيق!"

وإن لم تصدّق تذكّر أو إعلم أنه منذ مدّة غير قصيرة ظهر مؤثر في فيديو يشرح أنّ "التأثير الكهرومغناطيسي للشبكات اللاسلكيّة يسبّب تغييراً في الهيكل الجيني للخلايا"، دون أن يشرح ماذا يعني ذلك. النتيجة؟ أكثر من مليون مشاهدة وتعليقات مثل: "هذا الرجل عبقري". هنيئاً له ولمتابعيه.


كن أول من تنبّأ

بعد أيّ حدث كبير، مثل أزمة اقتصادية أو فوز فريق كرة قدم في مباراة مصيرية، أكتب فوراً "قلت لكم ذلك منذ 3 أشهر، ولكن للأسف الناس لا تصغي!". لا أحد سيبحث في تدويناتك القديمة.


كلّما ظهرت تقنية جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي أو العملات الرقمية، ادّعِ أنك ملمّ فيها، درستها منذ البداية. قل عبارات مثل "هذا ليس جديداً، أنا سبق أن جربت هذه التقنية في العام 2015".

لا تخف من الخوض في مجالات لا تعرفها، اليوم أنت خبير في السياسة، غداً في البيئة، وبعده في الطب. يمكنك مثلاً أن تكتب "العلاج الكيميائي ليس الحل! يجب العودة إلى الطبيعة"، وستنهال عليك التعليقات بين مؤيد ومعارض، وستصبح "شخصية مؤثرة".

الثقة أولاً أما المعرفة... فطنّش

لتصبح خبيراً، تحدّث بثقة مطلقة، حتى لو كنت تقول أموراً غير صحيحة، خذ على سبيل المثال قصة ذلك الشخص الذي نشر على "إكس" منشوراً عن كيفية أنّ "القمر أكبر من الأرض لأنّ القمر يرى الأرض صغيرة". هذه العبارة حصدت آلاف "اللايكات" لأنّ صاحبها كتبها بثقة جعلت الجميع يشك في دروس الجغرافيا التي تعلموها في المدرسة.

كل ما عليك فعله هو اختيار موضوع يثير الجدل، مثل المناخ أو العملات الرقمية، لا يهم إن كنت لا تفهم شيئاً عن الاحتباس الحراري أو البيتكوين. كلّ ما تحتاجه هو العبارة السحرية "كمختص في هذا المجال، أرى أن..."، واترك متابعيك يملؤون التعليقات بإعجابهم بحكمتك الوهمية.


إلهام ومؤامرة

الجمهور يحبّ القصص. قل لهم إنك بدأت من الصفر، وإنك كنت شخصاً عادياً قبل أن تكتشف "الحقيقة". هناك مثلاً من ادعى أنه اكتشف علاجاً للسمنة بتناول المخللات فقط، وروى كيف فقد 20 كيلوغراماً في شهر واحد. هذه القصة قد لا تكون حقيقية، ولكنها ستجلب لك الآلاف من المتابعين الباحثين عن حل سحري لتخفيف الوزن... وتخليل المعدة والأمعاء.


وإياك أن تنسى نشر نظريات المؤامرة، إنها طريقة مضمونة للفت الانتباه. اختر موضوعاً شيّقاً مثل الهبوط على القمر أو اللقاحات، وابدأ بالتشكيك فيه. فأنت لم تنسَ ولا أنا نسيت أنّ في العام 2021، انتشر مقطع فيديو لشخص يقول إنّ "اللقاحات تحتوي على شرائح إلكترونية لتتبّع البشر" ولم يكن لديه أي دليل. لكنّ الفيديو حصد ملايين المشاهدات لأنّ الناس يحبّون الغموض والإثارة والمؤامرات ويصدّقونها.


أرقام عواطف تفاصيل

صمّم صوراً وفيديوات تبدو احترافية، أضف رسوماً بيانية وأرقاماً، حتى لو كانت عشوائية ومن اختراعك. الأرقام تعطي انطباعاً أنك خبير ممتاز، واعلم أنّ أحد المؤثرين في مجال الاقتصاد صمّم مخطّطاً يُظهر أنّ 70% من الأثرياء بدأوا من الصفر، دون أن يوضح مصدر هذه الإحصائية، لكنّ المخطّط انتشر كالنار في الهشيم. والعب على عواطف الناس، فالجمهور يحب النصائح البسيطة التي تبدو ملهمة. شارك عبارات على شاكلة "لتكون ناجحاً، استيقظ باكراً!"، أو "فكّر بإيجابية، وستغيّر حياتك!". فحتى لو كانت هذه النصائح معروفة منذ قرون، فإنّ كتابتها بطريقة درامية ستجعلها تبدو جديدة "خلنج".


ونصيحة لا تشغل بالك بالتفاصيل، الحقيقة هي أن لا أحد يقرأ التفاصيل، اكتب عناوين مثيرة مثل "خمسة أسرار يُخفيها الأطباء عنك"، أو "ما لا يريدك العلماء أن تعرفه عن الذكاء الاصطناعي"، ولا تأبه لما تخربشه بعد ذلك. العنوان كافٍ لجذب الانتباه، حتى لو كان المحتوى فارغاً.


شريكتك السابقة

من جهة أخرى تذكّر وتذكّري أنّ خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تشبه شريكتَك السابقة أو شريككِ السابق. إنها غير متوقعة، وقاسية أحياناً، لكنها إن فهمتها، فقد تجعلك تتألق. إعلم أنّ هذه الكائنات الصغيرة تحب ثلاثة أمور:

- الانتظام: أنشر بانتظام، لكن ليس كثيراً، وإلا ستبدو كجارك الذي يتحدّث إلى نفسه.

- التفاعل: إضغط إعجاب، علّق، رد. كن اجتماعياً، حتى لو كنت غير اجتماعي في حياتك الواقعية.

- الفيديوات القصيرة هي المسيطرة. إذا كنت تعتقد أنك ستبرز بقصائد طويلة من 3000 كلمة، أنصحك بتعلّم الرقص أمام الكاميرا.


بالطبع، هناك من سيكتشف لاحقاً أنك لست خبيراً حقيقياً، ولكن لا تقلق. على الإنترنت، الذاكرة قصيرة والجمهور يبحث، بشكل دائم، عن موضوع جديد. المهم أن تستمتع بدورك كخبير قبل أن تنكشف اللعبة! ودمت خبيراً في كل شيء وأنت لا تعرف أي شيء، على فكرة إن ضاقت دنيا التواصل بك، إما استعن بهرّة جميلة واجعلها نجمة "بوستاتك"، أو تحّول على منصّاتها إلى مرشد ديني، وَلْيَمْسُس إبليس كلّ من قرأ لك ولم يقل لك آمين!